Author: admin

  • الفكر المتطرف

    الفكر المتطرف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- ، وبعد

    فهذه رسالة عاجلة أظهرت فيها معنى الفكر والتطرف، وما الفرق بينه وبين المنهج

    معنى الفكر: هو جملة النشاط الذهني، أو هو أسمى صور العمل الذهني بما فيه من تحليل وتركيب وتنسيق. هكذا مطلقا فالفكر مفتوح بغير زمام يذمه، وعليه فالمحسن والمقبح هو العقل إذ هو ما يكون به التفكير، ومن المسلمات أن العقول تتفاوت في تحسينها وتقبيحها، وهنا الخلل، ولذا نرى تقبيح الشرع، لمن اتخذ إلهه – فكره – عقله- فقال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) (الفرقان: 43)

    والمعنى: أنه أطاع هواه كطاعة الله، لا يهوى شيئًا إلا اتبعه، أفأنت تكون عليه وكيلًا: حفيظًا وكفيلًا ترده عن ذلك، لست تقدر على ذلك، إنما عليك البلاغ.

    وهذا يغاير تمامًا المنهج، فهو ذمام الفكر المنطلق ومقيده.

    * المنهج والمنهاج من النهج: و هو الطريق المستقيم الواضح، وهو واحد، يُقال: انتهج الطريق أي استبانه وسلكه، ويُقال: استنهج سبيل فلان، أي: سلكه.

    وبهذا يظهر الفرق بين اللفظين ودلالتهما، من حيث العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد.

    * التطرف: تطرف، أتى الطرف، يُقال: تطرف في كذا، جاوز حد الاعتدال ولم يتوسط.( [1] )

    فإذا قلنا: (الفكر المتطرف) من المنظور الشرعي، فهو يعني: كل مذموم مخالف للشرع المنقول بطريق المعصوم المبعوث رحمة للعالمين -صلى الله عليه وسلم- ، القائم على عقيدة صحت، وتعبد وَرَد، وتعامل شُرع.

    وبهذا نفهم المراد من قوله تعالى: ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7)

    والشرط مقابل المشروط وجودًا وعدمًا، ونفيًا وإثباتًا.

    فالمنهج كاشف لألغام الأفكار في كل زمان ومكان.

    * ومن علامات ودلالات المنهج الذي هو الطريق المستقيم الواضح الواحد:

    1ـ قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ

    ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأنعام(153)

    ومناسبتها في حديث عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- ، قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خَطًّا فَقَالَ: “هذا سَبيلُ الله“. ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: “وَهذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كلِّ سبيلٍ مِنْها شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ“. ثُمَّ تَلا{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} ( [2] ) فيه الآتي:

    1ـ أن المنهج طريق واحد مستقيم لا إعوجاج فيه البتة، وإنما حد الله سبيله لأن طريقه واحد، ولهذا جمع السبل: لتفرقها و تشعبها، كقوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. (البقرة: 257) فجمع الظلمات؛ لأن طرائقها قددًا، وأفرد النور؛ لأن طريقه واحد.

    2ـ الأمر باتباع المنهج ولزوم طريق التقوى: طريق الفلاح والعزة والسعادة والوقاية من الفكر المتطرف.

    3ـ النهي عن سلوك السبل المتفرقة التي على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، فهذه الأفكار ضالة ومضلة، تُلَبس باسم المنهج وتتلون فيه، وبرهان ذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم- : (يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ)( [3] )

    *قوله (يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ): من علامات نبوته -صلى الله عليه وسلم- .

    *قوله(دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ ): من جنس تلك السبل التي خطها يمينا وشمالا، فهذا فكر مخالف للمنهج، وعلامته: أنهم كذابون دجالون حيث يحدثون ببدع من القول ليست في المنهج، ليست في الطريق المستقيم، والمطلوب: التحذير منه لأنه ضال فتان، حيث تكلم بصورة المنهج وليست منه.

    *قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(هود: 112)

    قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) هذا منهج، حيث أمر سبحانه وتعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، وعباده المؤمنين معه بالثبات والمداومة على المنهج، وهو المستقيم الواضح الواحد، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء الذين يتربصون الدوائر بالبلاد والعباد.

    قوله: (وَلَا تَطْغَوْا): الطغيان هو مجاوزة الحد في الشئ، وهو البغي، خروج عن المتبع، فهذا فكر متطرف، إنه سبحانه خبير بأعمال وأقوال عباده لا يغفل عن شئ ولا يخفى عليه شئ ويحذركم الله نفسه.

    *قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الجاثية(18) جعل الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- : على شريعة من الأمر، فهذا منهج له أتباع.

    قوله: ( فَاتَّبِعْهَا): من غير لم، ولا كيف؟

    قوله: ( وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ): حال اصطدامها مع الفكر، فهذا فكر متطرف.

    *قوله -صلى الله عليه وسلم- لسُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثم اسْتَقِمْ. ( [4] )

    فهذا منهج، إذ الاستقامة تكون على ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

    والنبي -صلى الله عليه وسلم- : كان على الوحي الذي هو القرآن والسنة.

    *قال تعالى: ( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا). النساء (113) وقال: ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) [الأنعام: 50]

    فهذا منهج، والصحابة كانوا على ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وهذا ظاهر في الأدلة المذكورة، وفي الباب غيرها كثير. وعليه فالمخالف للمنهج في القول أو الفعل: تطرف.

    *والمسلم: هو المستسلم المتبع المنقاد للمنقول ـ وهو المنهج ـ من غير لم ولا وكيف؟ فلا يحكم المعقول في المنقول، فإن كان فهو فكر متطرف. قال تعالى(قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)الأنعام (56) فهذا نهي عنه وحذر منه.

    أسباب الفكر المتطرف: حصرتها في خمسة أسباب:

    الأول: الجهل بثوابت الشريعة وواجباتها، وهذه الثوابت والواجبات قائمة على الاعتقاد الراسخ في الآتي:

    1-توحيد الله بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته

    2-ختم الرسالات بمحمد -صلى الله عليه وسلم- حيث أرسل بالوحي القرآن والسنة

    3-الصحابة –رضي الله عنهم- أفضل الأمة وسادتها بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم عدول مرضيون عند الله

    ورسوله على تفاضل بينهم باتفاق المسلمين فالطاعن فيهم أو في آحادهم طاعن في الرسول -صلى الله عليه وسلم-

    4- الامتثال لله ولرسوله مهما خالف المعقول، وتقديم ما جاء عن الله ورسوله على قول أي أحد. فالعبث في كل هذا أو محاولته فكر متطرف

    الثاني: التبعية العمياء، ولها طريقان

    1-في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : “لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ[وباعًا بباع]، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا [سلكوا]جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ [سلكتموه]، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ “( [5] )

    2-إتباع أتباع الذين سلكوا جحر الضب على لحنهم وتلونهم في المنهج الواضح المستقيم، وهم شياطين إنس استحوذ عليهم الشيطان الجني فسول لهم وأملى لهم فخالفوا المنقول فظنوا أنهم يحسنون صنعا، وهم يسيئون صنعا. وهذا فكر متطرف

    الثالث: تدهور مستوى الأسرة في التربية والمتابعة:

    وعمدة هذا السبب في حديث عبد الله بْنِ عُمَر-رضي الله عنهما-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: ((أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)).( [6] )

    والشاهد في قوله (( وَالرَّجُلُ رَاعٍ… ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ…. ))

    والمسئولية في الدين والدنيا، وبرهان ذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم- :

    1- ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ..)).( [7] )

    2- ((مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ)). ( [8] )

    3 – ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ)). ( [9] )

    فمناط الإصلاح والإفساد، والخير والشر في الوالدين.

    والمقصود من التربية والمتابعة فيها أن تكون على خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وأصحابه –رضي الله عنهم- .

    فإذا أحسن في دينه أحسن في دنياه، وإذا أساء في دينه أساء في دنياه، فالتلازم بينهما قائمٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ((المُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ (وَأَنْفُسِهِمْ) وَأَمْوَالِهِمْ)). ( [10] )

    فإذا اختل هذا فهو فكرٌ متطرف، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : ((خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ)).( [11] )

    والمطلب في قوله (( خيركم )) فإذا اختل فهو الفكر المتطرف.

    الرابع: تدهور مستوى الأخلاق في الشوارع والمؤسسات.

    وهو فرع عن الذي قبله من وجه، ومن وجه آخر في قوله -صلى الله عليه وسلم-، ((والْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) في الدين والدنيا معاً.

    والأخلاق: وصفٌ يتعلق بالأقوال والأفعال التي توصف بالحسن أو القبح، ومردُّ ذلك إلى الشرع فإذا خلا فهو فكرٌ متطرف.

    ومن صور ذلك:

    1 – الشباب التائهون بغير هوية.

    قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- : (( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا،… وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ..))( [12] )

    وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ –رضى الله عنهما- قَالَ: ” لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ”. ( [13] ) وعَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ، قَالَ: ((المَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ)). ( [14] )

    وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ))( [15] )

    عريٌ وفجورٌ في السلوك والكلام، عصيانٌ وتمردٌ على شرع الرحمن، وقالوا: مدَنيةٌ وحضارةٌ، فهذا فكرٌ متطرفٌ.

    2- الغش في الامتحانات على مستوى التعليم كله، وفي البيوع والمعاملات…. إلخ.

    وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَالْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ فِي النَّارِ)). ( [16] )

    قالوا: عمَّتْ به البلوى؟ فهو حلالٌ لا بأس به!. فكرٌ متطرفٌ.

    3- الرشوة، ظاهرة واضحة جليَّةٌ، غيَّرت القول والفعل، ووسَّدت الأمر لغير أهله، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي)). ( [17] )

    قالوا: عمت بها البلوى، فهي حلالٌ لا بأس بها!. فكرٌ متطرفٌ.

    4- الكذب والخيانة والفجور عند الخصومة، والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما حذّر منه الشرع الحنيف، الخوض فيه واشتياهه. فكرٌ متطرفٌ.

    الخامس: تجنيد المسلم نفسه لشبكات الإجرام والإرهاب في العالم.

    نلمس في الحديث السابق ذكره….. قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: ((فَمَنْ)) أي فَمَنْ غير أولئك القوم، وهذا لا يخفى على كل ذي عقل وبصر، فحياتهم دنياهم، وعقولهم آلهتهم، وعداؤهم للإسلام والمسلمين مجزومٌ به.

    وتجنيده من وجوه:

    1- إعطاؤه جنسية البلد المقيم به.

    2- إظهار الحب والولاء له.

    3- إثراؤه اجتماعياً من حيث المال والمسكن والمركب.

    4- غسله فكرياً على إثر جهله بدينه أو تنطعه وغلوه.

    فإذا سألت لماذا كل هذا؟ أجيب لأجل التخريب، للمزايدة، مَنْ يريد تخريب المسلمين دياراً وسكاناً وعقولاً، فأهلاً ومرحباً. تخريب بالكلام، تخريب بالقلم والكتابة، تخريب بالفعل، خطيرة صناعة الفكر المتطرف.

    قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ

    حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36]، وقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32]

    إنه فكر متطرف يريد النيل من الإسلام وأهله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ساعدهم على ذلك متطوعون باسم الإسلام

    ثم بعد تجنيده واحترافه يتم إرساله إلى بلده أستاذًا جامعيًّا أو مسئولًا مرموقًا في مؤسسة لها أثرها ثقافيًا وإعلاميا وتعليميا، انظر حولك متأملا متدبرًا لتستعد بما أخبر به الله ورسوله ولترفع رأسك ببراءة الإسلام من صناعة الإرهاب

    وقد يُجند المسلم في وطنه بمثل ما سبق ونحوه حيث تنمى فيه تمرده على دينه ووطنه؛ لأنه إذا تخلى المسلم عن تعاليم دينه، وحكم عقله في أوامره ونواهيه تخلى عن كل شيء بعد وذلك من حيث الآتي:

    -إعطاء الشهادة الفخرية. – ذكره والإطراء عليه في محافلهم ومحافل بلده -السماح له بالكتابات والكلمات في إعلامهم وإعلام بلده -توسعة دائرة شهرته في بلده، ولكل شيء ثمن

    وقد يختل الفكر بعيدا عن كل هذا بسبب جهله وكبره وغروره وشهرته بين العوام والهوام فيتكلم في دين الله بما ليس فيه حقيقة، وانتحل شذوذ أقوال البشر ففسق بها عن وحي رب البشر، وهذه مزبلة فكرية لها أثرها السيء في العباد والبلاد.

    علاج الفكر المتطرف

    يكمن في إفاقة المسلم من غفلته، ولينزع عباءة جهله في دينه، وليعلم أنه مسئول عن نفسه ومن يعول لقوله -صلى الله عليه وسلم- : ” كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ….”

    قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } [الرعد: 11] وقال: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } [نوح: 10 – 13]

    نسأل الله العفو والعافية والهداية والتوفيق

    كتبه

    صبري عبد المجيد


    ( [1] ) انظر: المعجم الوجيز ص 389، 400، 478، 636

    ( [2] ) صحيح بطرقه. أخرجه أحمد (4142)، والترمذي (2454)

    ( [3] ) حسن من حديث أبي هريرة، عند مسلم في مقدمة صحيحه (7)، وأحمد وابن حبان وغيرهم.

    ( [4] ) رواه مسلم(68)

    ( [5] ) أخرجه البخاري (7320)، ومسلم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري، وابن ماجه (3994) وغيره وحديثهم حسن من حديث أبي هريرة.

    ( [6] ) رواه البخاري (2409) ومسلم (1829) واللفظ له

    ( [7] ) رواه البخاري (1385) ومسلم (2658) من حديث أبي هريرة

    ( [8] ) رواه أبو داود (495)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع(2/ 1022) من حديث عبد الله بن عمرو .

    ( [9] ) رواه النسائي(9131) من حديث عَبْد اللهِ بْن عَمْرٍو .

    ( [10] ) صحيح لغيره. رواه الترمذي(2627)من حديث أبي هريرة ، وابن ماجه(3934 ) من حديث فضالة بن عبيد

    ( [11] ) حديث صحيح. رواه الترمذي (2263) وغيره من حديث أبي هريرة .

    ( [12] ) رواه مسلم (2128)

    ( [13] ) رواه البخاري (5885)

    ( [14] ) رواه الترمذي (1173) صحيح الجامع (2/ 1134)

    ( [15] ) رواه أحمد (4/ 413) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1/ 525) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

    ( [16] ) حسن. رواه ابن حبان (5559) والطبراني وغيرهما.

    ( [17] ) رواه ابن ماجه (2313).

  • إنها سنون خداعة

    إنها سنون خداعة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وبعد

    فهذه المقالة امتدادًا لتلك المقالة التشخيصية التي كتبها أخي الحبيب فضيلة الشيخ أحمد بن سليمان حفظه الله، والتي ختمها بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ” إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ ” قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ” السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ”

    وفي لفظ: “وَيَنْظُرُ فِيهَا لِلرُّوَيْبِضَةِ “، وفي سياق حديث أنس: “الفويسقة يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ ”

    وفي سياق حديث عوف بن مالك. . . قيل، وما الروبيضة يا رسول الله؟ قال: مَن لَا يُؤْبَهُ لَهُ ( [1] )

    لمَّا تأملت هذا النص وتدبرته عرضته على واقعنا الذي نعيش فيه فرأيته واقعًا قَلَّت فيه الأمانة، وظهرت فيه وسادت الخيانة، وندر فيه الصدق، وظهر وساد فيه الكذب والخداع والمكر، وندر فيه الأدب وحسن الخلق، وظهر وساد فيه سوء الأدب والخُلق. .

    رأيته مجتمعًا

    قَدَّم وسَيَّد الخائن، واستبعد الأمين، قَدَّم وسَيَّد الكاذب، واستبعد الصادق

    قَدَّم وسَيَّد سيء الأدب، واستبعد حسن الأدب، قَدَّم وسَيَّد السفيه، واستبعد الحكيم

    قَدَّم وسَيَّد الفاسق، واستبعد الحكيم، قَدَّم وسَيَّد الفاسق، واستبعد العادل

    رأيته مجتمعًا لعبت الرشوة والوساطة فيه دورها في الزور والباطل، فقلبوا الأمور، فقَبَّلوا وسَيَّدوا الضعيف المتأخر، واستبعدوا القوي المتفوق المُقدم، فقَدموا وسَيَّدوا من دفع الكثير، واستبعدوا من دونه، عظَّموا صاحب المال والجاه، وسيَّدوه، واحتقروا الفقير الوضيع وازدروه، سمعوا للأغنياء الوجهاء، وأعرضوا عن الفقراء الضعفاء

    رأيته مجتمعًا

    صار العري والفجور فيه مدنية وحضارة، والاحتشام والتستر جمودًا وتخلفًا

    صار الجهلاء في الدين أئمة وسادة بين العوام الهوام الجاهلين

    صار الدِّين كلأً مباحًا للسفهاء والتافهين والمأجورين، وغير ذلك مما دار في خاطري

    ثم سألت نفسي لماذا كل هذا؟ فأجبت نفسي بإجابة مختصرة لم أر غيرها، وهي: الانفلات من الزمام والبعد عنه وهو الدين الحنيف الرحمة للعالمين، وهذا الانفلات بلازم اتباع الهوى والتقليد الأعمى للكافرين المنحلين عن المبادئ والأخلاق، فلمَّا انفلتوا من الزمام وابتعدوا عنه ألَّهوا العقول، وطرحوا النقول وعلى موائد الحوار الزور اجتمعوا وكسَّروا الجذور بصانعي الأنعام خفافيش الظلام، فأوقعوا أنفسهم ومجتمعهم في البركان.

    وصدق الرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- خير الأنام حيث قال: ” إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ”، وهذا من أعلام نبوته الظاهرة حيث أخبر بما سيكون، وفي القرآن كلام الله تعالى {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50]

    وقال -صلى الله عليه وسلم-: “لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ [وباعًا بباع]، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا [سلكوا] جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ [سلكتموه]، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ ” ( [2] )

    وها نحن نرى حرية مطلقة في كل شىء حتى في الثوابت من ديننا السمح الخاتم، و حرية مطلقة في الرأي والفكر

    وها نحن نرى بأعيننا ونسمع بآذاننا، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ” إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ”، وهذا من بلاغة قوله -صلى الله عليه وسلم- الدالة على الحقيقة والمجاز، فالسنون لا تخدع ولا توصف

    بالخداع وإنما الذين يعيشون فيها.

    قوله “خداعة” من خدع تغير من حال إلى حال، وبهذا أشار إلى تغير حال الناس في السنين حيث تخلَّق الناس بغير أخلاقهم، وتلوَّن فيها الناس فأظهروا خلاف ما يبطنون.

    والخداع: إظهار ما يخالف الإضمار، وهو من النفاق قال تعالى: ” {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9]

    وفي حديث قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ” الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ ” لَكُنْتُ أَمْكَرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. ( [3] )

    وقد أظهر النبي ما حذر منه كما في حديث ابن مسعود -رضى الله عنه- مرفوعًا “الْمُؤْمِنُ يُطْوَى عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ” ذلك لأنهما رأس الضياع والخسارة في الفرد والأسرة والمجتمع والأمة

    وفي حديثنا أخبر النبي ببلاغته عما يدور في هذه السنين، سيتغير فيها حال المسلم من الحسن إلى السيء، ومن الحلو إلى المر، ومن العزة إلى الذل، ومن القوة إلى الضعف، ومن احترام الدين وتعاليمه وتوقيره واتباعه إلى الاستخفاف به والتجرؤ عليه والتلون فيه.

    كل هذا وغيره كثير في الخيانة والكذب، وما نطق الرويبضة إلا بعد ترسخ ذلك فيه، لذا نراه -صلى الله عليه وسلم- أجمل فقال: يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ ” قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ” السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ “وفي لفظ: ” ينظر فيه للرويبضة. أي: نظر إكبار وتعظيم وإجلال، وهو لا يستحق ذلك.

    والخيانة هي التفريط في الأمانة، وهي مخالفة الحق بنقض العهد في السر، وهي الغدر وإخفاء الشيء، وهي من النفاق كما في الصحيح، والخائن لا يحبه الله قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ }

    [الأنفال: 58]، وانتشار الخيانة في مجتمع فهو من علامات اضمحلاله، فهي داء يفتك بالمجتمع عاجلًا أو آجلًا. وعكسها الأمانة

    والكذب: هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، وهو عدم المطابقة لما في النفس، وهو من النفاق أيضًا، فالكذب لص يسرق العقل كما يسرق اللص المال، الكذب وسيلة لدمار صاحبه ومجتمعه وأمته. فالكذب يورث فساد الدين والدنيا. وعكسها الصدق.

    ومن تمام الكذب والخيانة ظهور الرويبضة والنظر إليه والاستماع والتعظيم والإجلال له.

    والرويبضة: تصغير الرابضة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، فهو السفيه الذي لا يحسن التصرف في الأمور- يتكلم في أمر العامة.

    وهو التافه ” الخسيس الخامل” يتكلم في أمر العامة، من تفه الطعام إذا سنخ، أي: تغير، وتفه الطِّيب إذا ذهبت رائحته بمرور الأزمنة.

    وهو الفاسق، وهو من لا يؤبه له، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقد رأيناه، وسنراه، وسيراه غيرنا بعد.

    إن السعادة والعزة والنصرة لمن ثبت على مبدأه وأصله، ولا مبدأ ولا أصل حقيقة إلا في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهما رأس الطريق المستقيم الذي على مطلعه سادات هذه الأمة، بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم- حملة الكتاب والسنة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وفي الصحيح أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”

    والشرط مقابل المشروط وجودًا وعدمًا، نفيًا وإثباتًا فلنفقه ذلك، ولنفقه قول الله تعالى” {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11].

    نسأل الله العفو والعافية والهداية والتوفيق

            كتبه

    صبري عبد المجيد


    ( [1] ) حسن بطرقه وشواهده. من حديث أبي هريرة واللفظ له عند أحمد (2/291، 338)، وابن ماجه (4036)وغيرهم. ومن حديث أنس عند أحمد (3/220) وغيره. ومن حديث عوف بن مالك عند الطحاوي في المشكل (464) وغيره.

    ( [2] ) أخرجه البخاري (7320)، ومسلم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري، وابن ماجه (3994) وغيره وحديثهم حسن من حديث أبي هريرة.

    ( [3] ) صحيح لغيره. أخرجه ابن عدي (2/409)وغيره، وهولا بأس به، وعن أنس أخرجه الحاكم (4/ 607)وغيره، وهو حسن، وعن ابن مسعود أخرجه ابن حبان (5559) وغيره وهو حسن.

  • العلم يرفع أهله

    العلم يرفع أهله
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله-صلى الله عليه وسلم-، وبعد
    فقد أخرج مسلم في صحيحه بإسناده عن الزهري عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ، لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي، فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ قَالَ: “إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ”(1).
    ذكره السخاوي (ت 902هـ) في باب الْمَوَالِي مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّوَاةِ من كتابه الممتع “فتح المغيث”، وأتبعه بما ذكره عن الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، قَالَ لَهُ: مَنْ يَسُودُ أَهْلَ مَكَّةَ؟ فَقُلْتُ: عَطَاءٌ. قَالَ: فَأَهْلَ الْيَمَنِ؟ قُلْتُ: طَاوُسٌ. قَالَ: فَأَهْلَ الشَّامِ؟ قُلْتُ: مَكْحُولٌ. قَالَ: فَأَهْلَ مِصْرَ؟ فَقُلْتُ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ. قَالَ: فَأَهْلَ الْجَزِيرَةِ؟ فَقُلْتَ: مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ. قَالَ: فَأَهْلَ خُرَاسَانَ؟ قُلْتُ: الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ. قَالَ: فَأَهْلَ الْبَصْرَةِ؟ فَقُلْتُ: الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ. قَالَ: فَأَهْلَ الْكُوفَةِ؟ فَقُلْتُ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَذُكِرَ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلٍّ وَاحِدٍ: مَنِ الْعَرَبِ أَمْ مِنَ الْمَوَالِي؟ قَالَ فَيَقُولُ: مِنَ الْمَوَالِي إِلَّا النَّخَعِيَّ; فَإِنَّهُ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ يَا زُهْرِيُّ! فَرَّجْتَ عَنِّي. يَعْنِي لِذِكْرِهِ عَرَبِيًّا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَتَسُودَنَّ الْمَوَالِي عَلَى الْعَرَبِ حَتَّى يُخْطَبَ لَهَا عَلَى الْمَنَابِرِ وَالْعَرَبُ تَحْتَهَا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ وَدِينُهُ، فَمَنْ حَفِظَهُ سَادَ، وَمَنْ ضَيَّعَهُ سَقَطَ. (2)
    والموالي من السماء المشتركة بالاشتراك اللفظي، الموضوعة لكل واحد من الضدين، فالمولى تطلق على المعْتِق المنعِم، وتطلق على المعتَق، وهو المقصود هنا.
    ومن قبل السخاوي الخطيب البغدادي (ت462هـ) فقد عقد بابا في كتابه ” الفقيه والمتفقه” ذِكْرُ مَنِ ارْتَفَعَ مِنَ الْعَبِيدِ بِالْفِقْهِ حَتَّى جَلَسَ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ، وذكر بإسناده أكثر من أثر منها:
    عنَْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: كُنْتُ آتِي ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَحَوْلَهُ قُرَيْشٌ فَيَأْخُذُ بِيَدِي، فَيُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَغَامَزُنِي قُرَيْشٌ، فَفَطِنَ لَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: “كَذَاكَ هَذَا الْعِلْمُ، يَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا، وَيَجْلِسُ الْمَمْلُوكَ عَلَى الْأَسِرَّةِ”
    وذكر بإسناده إلى إِبْرَاهِيمِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيِّ: كَانَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَبْدًا أَسْوَدَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ أَنْفُهُ كَأَنَّهُ بَاقِلَاةٌ قَالَ: وَجَاءَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَطَاءٍ هُوَ وَابْنَاهُ فَجَلَسُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا صَلَّى انْفَتَلَ إِلَيْهِمْ فَمَا زَالُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَقَدْ حَوَّلَ قَفَاهُ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ لِابْنَيْهِ: “قَوْمًا”، فَقَامَا، فَقَالَ: “يَا بَنِيَّ لَا تَنِيَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنِّي لَا أَنْسَى ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ”(3)
    وفي الإسناد قصة أخرى، وفيها قالت أم محمد بن عبد الرحمن المخزومي المعروف بالأوقص، قالت له، يابني: يَا بُنَيَّ لَا تَكُونُ فِي قَوْمٍ، إِلَّا كُنْتَ الْمَضْحُوكَ مِنْهُ الْمَسْخُورَ بِهِ، فَعَلَيْكَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُكَ قَالَ: فَطَلَبَ الْعِلْمَ، فَوَلِيَ قَضَاءَ مَكَّةَ عِشْرِينَ سَنَةً
    المقصود: أن العلم يرفع أهله في الدنيا والآخرة
    أما في الدنيا: ففيما ذكرت حيث جعل العبد سيدًا، وواليًا، وشيخًا يُسأل فيجيب
    وفي الحديث المذكور عند مسلم “إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ”.
    إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا حال العمل به، ويضع به آخرين حال تعطيل العمل به
    والعلم قال الله جل وعلا، وقال رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والصحابة -رضى الله عنهم- حملة هذا العلم ورثوه، وعلو به، وبلغوه لمن بعدهم.
    وأما في الآخرة: ففي الحديث المذكور أيضًا، وقرينة ذلك في حديث النواس بن سمعان مرفوعًا
    “يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلُ عِمْرَانَ. “(4)
    وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفيه” مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ”(5)
    “مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَهُوَ فِي النَّارِ”(6)
    وهذا الحديث يرشد إلى التحذير من خلاف الأصل في طلب العلم، إذ الأصل فيه الصدق، والإخلاص لإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، قولا وعملا عقيدة وعبادة، ومعاملة، وأدبا، وأخلاقا، وسلوكا، والعلم بالتلقي الصحيح من القرآن، وصحيح السنة بفهم سلف الأمة الأخيار من الصحابة ومن تبعهمبإحسان، ومن وراء ذلك فضل الله تعالى، إذ يقول {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } [الأنبياء: 79]، وفي الحديث الصحيح عن معاوية مرفوعا: “مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ”(7)
    وهذا يرتبط بقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]
    وفيها فوائد أربعة:
    الأولى: أصل العلم والفقه في الدين من الله وحده لا شريك له والطلب سبيل وسبب، وفي الأثر عن ابن مسعود: إنَّ الرَّجُلَ لاَ يُولَدُ عَالِمًا، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ. (8)
    الثانية: السبيل الحق هو الصراط المستقيم، وهو الذي بينَّه لأصحابه كما في الحديث الصحيح بطرقه عن ابن مسعود -رضى الله عنه- قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خَطاً فَقَالَ: “هذا سَبيلُ الله”. ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: “وَهذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كلِّ سبيلٍ مِنْها شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ”. ثُمَّ تَلا {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] إِلَى آخِرِ الآيَةِ
    الثالثة: العلم شرط الدعوة إلى الله والكلام في دين الله، وهو البرهان والبيان، وطريقه القرآن كلام الله حقيقة من غير تشبيه و لا تأويل ولا تعطيل، ويفهم بمثله، وبالسنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبالمأثور عن الصحابة والتابعين الآخذين عنهم. وكذا السنة الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتفهم بمثل ما يفهم به القرآن، وهما وحي الله عز وجل
    الرابعة: الدعوة إلى طريق الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بالشرط المذكور طريق مستقيم لا اعوجاج فيه
    والحالة هذه لا تقتصر الدعوة ولا يقتصر العلم تلقيا وإلقاء على شخص بعينه، ولا مؤسسة بعينها
    ولنعلم على إثر ما ذكر: أن العلم يثمر عملًا وعدلًا وتواضعًا وانكسارًا
    والجهل يثمر تفريطًا وغلوًا وتنطعا وكبرًا وغرورًا
    وليعلم من سلك طريق الدعوة تلقيا وإلقاء أنه ينوب عن الله ورسوله، وليعلم أنه موقوف بين يدي الله فليعد لقوله وفعله جوابًا
    نسأل الله الستر والسلامة والفقه في الدين، والعمل بما نعلم،
    إنه نعم المولى ونعم النصير
    ————-

    (1) مسلم(817).
    (2) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (4/ 398).
    (3) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (1/ 140)إسناده صحيح إلى الحربي.
    (4) مسلم (805).
    (5) مسلم (2699)
    (6) رواه ابن ماجه (253) (261)، والبزار (7295)، والطبراني في المعجم الكبير (199)، وغيرهم من حديث أنس، وأبي هريرة، وأم سلمة، وكعب بن مالك، وابن عمر، ومعاذ بأسانيد ضعيفة يجبر بعضها بعضا.
    (7) صحيح البخاري (71)، ومسلم (1037).
    (8) مصنف ابن أبي شيبة (26647)، بإسناد حسن

  • زوابعٌ في طريق الدعوة

    ** زوابعٌ في طريق الدعوة **
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-المصطفي الأمين، وبعد …
    فإن الدين الإسلامي قائم على الدعوة إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ورأسها توحيد الله تعالى، وتحقيق العبودية له سبحانه، وترسيخ الاعتقاد بحقيقة الإيمان، وهو ما وقر في القلب وصدقه القول والعمل، فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان، متلازمان سيان.
    ثم الدعوة إلى الائتمار بما أمر به الله ورسوله، وإلى الانتهاء عما نهي عنه الله ورسوله.
    قال تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [آل عمرآن 110]. وقال (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: ٣٣]
    وذلك بالطريق المرضي عند الله ورسوله، وقدوتنا فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وترتكز على قاعدتين رئيسيتين:
    الأولى: العلم
      قال تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف: ١٠٨]
    فيها: اشتراط العلم في الدعوة بلازم قوله: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: ١١٤]
    وصحيح قوله -صلى الله عليه وسلم- (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين ) أخرجه البخاري ومسلم من حديث معاوية رضى الله عنه.
    وأصل العلم: القرآن كلام الله حقيقة، من غير تشبيه ولا تعطيل، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-القولية والفعلية والإقرارية، بفهم من آمنوا به، واتبعوا وأحسنوا، وهم الصحابة -رضى الله عنهم-أجمعين.
    والقرآن يفهم بمثله، وبقول رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وبقول الصحابة -رضى الله عنهم-، والتابعين الآخذين عنهم، واللغة خادمة بأصولها، وليست تنفرد عن ذلك.
    وكذا السنة إذا صحت، تفهم بمثلها، وبقول وفعل الصحابة، ومن تبعهم بإحسان، ومن ذلك كان الفقه وأصوله عند سلفنا الصالح، ومن أظهرهم الأئمة الأربعة رحم الله الجميع.
    الثانية: الدعوة بالحسنى، لسان عليم لطيف لين.
    قال تعالى (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: ١٢٥].
    فيها: 
    1-    إظهار للقاعدتين المذكورتين.
    2-    المجادلة بالحسنى وهي التي تقوم على البيان والإرشاد والاسترشاد، والرغبة في الحق وإظهاره، وإذا كانت غير ذلك، فليست بالحسنى، وهي التي حذر منها أئمتنا سلفاً، ومن مجالسة أصحابها.
    3-    علم الله تعالى بالمهتدى والضال.
    4-    تقرير لقوله : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء) [القصص: ٥٦] ، وقوله  : ( لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ) [البقرة: ٢٧٢] ، وقوله: (لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )[المائدة: ١٠٥].
    **زوابعٌ في طريق الدعوة: وهما صنفان:
    *الصنف الأول: صُحفيون خفافيش الظلام، يلملمون من هنا وهناك، ليس لهم معلمٌ مُرشد، ولذا تراهم يفهمون خطأ، وينقلون خطأ، ويبلغون خطأ، ومع ذلك شاع صيتهم وراج بين العوام الهوام، فاتخذوهم رؤوسا، فاقتدوا بهم، وقلدوهم تقليداً أعمى.
    فإذا خوطب المقلِّد بالصحيح المنصوص عليه، والمنقول الصحيح بطريق الأمناء، الحفاظ الفقهاء الكبار، وعليه العمل عندهم، خلافا للمقلَّد المعاصر، قوبل بالرفض، اعتمادا على زخرف القول غروراً وزوراً، فظهر الجهل المركب في المقلِّد والمقلَّد، ومع ذلك سوَّل لهم الشيطان الذي استحوذ عليهم، فأملى لهم أنهم كبار، فأفتوا في الحلال والحرام ومسائل الكبار بغير برهان، وفى الدماء وما أدراكم ما الدماء، وفى التكفير ودخول النار، ونحو ذلك مما عمَّ به الدمار، فَوحَلُوا أنفسهم  وأتباعهم في وحل العار ، فضلوا وأضلوا كثيرا ً ، سُئلوا فأفتوا بغير برهان ، فأفسدوا كثيرا ، فكانوا رويبضة حقاً وصدقاً ، كما قال -صلى الله عليه وسلم- المصطفى المختار .
    *الصنف الثاني : معارضون متمردون بوصف وتصنيف بين الناس ، طلبوه فحصلوه ، فازداد عُجبهم وغرورهم ، فظنوا أنفسهم بذلك في العلم سادات ، وغيرهم عبيدٌ هواة ، وحالهم لا يخفى على الخاص والعام ، اتخذوا عقولهم آلهة من دون الله ، فحكَّموها في المنقول ، يريدون شرعا يتماشى مع العقل المنحوس المنكوس والعصر المحروس ، فأخروا العمل عن مسمى الإيمان في عقيدة باطلة أشاعوها في البنيان ، فسيطروا على عقول الشيبان والشبان ، فوافق الضلال خراب البنيان ، فعمت البلوى وشاع الفساد في الشيبان والشبان ، فرفضوا دعوة الرحمن من أهلها المتجردين والسائرين مع الركبان ، فهذا الليث ، وهذا سفيان ، وهذا مالك والشافعي وأحمد والنعمان وسبعتهم الأوزاعي نعم الركب السائر على طريق الرحمن ، فهذا النبي المصطفى المختار ، وهذا الصاحب المبرز بالصدق والإخلاص ، وها هي تدور الأيام ، فتعود أيام أحمد بن حنبل الإمام، فهذا الشبه وهذا النظير، تلازم بالتمام والكمال، مداهنة من هنا وهناك، رغبة فيما وراء القضبان، الإيمان في القلب، والعمل بعيد عن شرع الرحمن، اعملوا ما شئتم فإن الأمر سهل، والخالق رحيم حنان.
    تبرج وسفور، وفجور وخنا في اللباس والكلام، غناء ورقص وطبل ومزمار الشيطان، انفتاح مخلَّ في الرجال والنسوان، فوضى في الرأي والكلام.
    والإسلام دين حنيف كلَّف بما يُسعد الديار، نعم الحلال، وبئس الحرام، ومع ذلك داهن الزاعمون الكبار، المعجبون المغرورون بتصنيفهم بين الهوام، فتبجحوا فقالوا: ها نحن جوجل الهمام، نقول: نعم لكل سؤال، فخربت الديار، من الزوابع في طريق الدعوة إلى شريعة العزيز الجبار.
    نسأل الله بأسمائه وصفاته الصدق والإخلاص في القول والعمل، والفقه في الدين، والعفو والعافية في الدنيا والأخرة.
    كتبه /
    صبري بن محمد بن عبد المجيد
    25/7/1435هـ
    24/5/2014م

  • من تسبب في شيء نسب إليه

    من تسبب في شيء نسب إليه
    الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وبعد
    فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث عبد الله بن عمرو -رضى الله عنهما-أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: ((يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ))( )
    وفي لفظ مسلم ((مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ))
    فيه مسائل:
    1-    من الإحسان إلى الوالدين ألا نتعرض لسبهما بطريق مباشر أو غير مباشر
    2-    أن ذلك من الكبائر
    3-    التفاوت بين الكبائر، وشتم الوالدين من أكبرهما
    4-    أن من تسبب في شيء جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء
    5-    أن هذا من العقوق؛ لأنه يحصل منه ما يتأذى به الوالدان تأذيا ليس بالهين
    6-    أن سوء أدب الولد (الذكر أو الأنثى) مع الغير من عقوق الوالدين
    7-    سد (قطع) الذرائع ( ترك الشيء لما يترتب عليه من ضرر ومفسدة
    8-    أن صلاح الأصل يعود على الفرع بالنفع والخير غالبا والعكس، وأن صلاح الفرع يعود على الأصل بالنفع والخير غالبا و العكس.
    فرع: أخرج مسلم في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-كَانَ يَقُولُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ
    الْكَبَائِرَ. ( ) وعند أحمد( ) وغيره من حديث جابر-رضى الله عنه-: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ))
    حد الكبيرة
    قال الحافظ ابن حجربعد ذكره تعريف الأئمة للكبيرة: وَمِنْ أَحْسَنِ التَّعَارِيفِ قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ فِي الْمُفْهِمِ كُلُّ ذَنْبٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ أَوْ عَظِيمٌ أَوْ أُخْبِرَ فِيهِ بِشِدَّةِ الْعِقَابِ أَوْ عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ شُدِّدَ النَّكِيرُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. ( )
    والكبائر موبقات، ويشترط في تكفيرها: الإقلاع عنها، والندم عليها، والعزم على عدم العودة إليها.( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) النساء: ١٧ – ١٨
    (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) لقمان: ٣٤
    فإن مات على كبيرة فهو في خطر المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ)النساء: ٤٨
    فرع: المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفس والأموال والأعراض، فهذه ثلاث مسائل
    المسألة الثالثة منها: الجناية على العرض، فإن كان حراما في نفسه كالكذب عليه، وقذفه، وسب والديه، ونحو ذلك فليس له أن يفعل كما فعل به اتفاقًا، وهذا بخلاف ما لوكان في شخصه، كما لو سبه في نفسه أو سخر منه، أو هزأ به أو صفعه، ونحو ذلك فله أن يستوفي منه نظير ما فعل به سواء، متحريا العدل( ): (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) النحل: ١٢٦، ولقوله (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ)الشورى: ٤٠ – ٤١
    وهذا كقوله 🙁 فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ) البقرة: ١٩٤  والمقصود أنه سبحانه وتعالى شرع العدل وهوالقصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو قال تعالى (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ) المائدة: ٤٥ وهي نظير أختها(فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) الشورى: ٤٠ أي لا يضيع ذلك عند الله الملك الجبار القوي العزيز (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) المعتدي، وهو المبتدئ بالسيئة، والمعتدي في استيفاء حقه في القصاص على الوجه الذي سبق ذكره لقوله (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) الشورى: ٤١ أي ليس عليهم جناح في الانتصار فمن ظلمهم بالقيد المذكور وهو العدل في القصاص والمماثلة في الاستيفاء، ولقوله -صلى الله عليه وسلم- ((الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ))( ).
    وهذه قاعدة في الجنايات والقضاء فيها( )
    والمراد: أن إثم قولهما من السب والشتم على الذي بدأ في السب والشتم؛ لأنه السبب في تلك المخاصمة، أي حده في المماثلة في الاستيفاء بأنه سبه فأكثر
    والحاصل: إذا سب كل واحد الآخر فإثم ما قالا على الذي بدأ في السب، وهذا إن لم يعتد، ويتجاوز المظلوم الحد. فمن تسبب في شيء نسب إليه.
    أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى

    وكتبه
    صبري بن عبد المجيد

    ==
    (1)  البخاري (5973) واللفظ له، ومسلم (90).
    (2)  مسلم (233).
    (3)  مسند أحمد (15701).
    (4)  فتح الباري لابن حجر (12/ 184)
    (5)  انظر: إعلام الموقعين (2/82، 86).
    (6)  رواه مسلم (2587) من حديث أبي هريرة.
    (7)  وليعلم أنه يجب التفريق بين حال الرعية فيما بينهم من صغير المور التي قد ترفع إلى ولي الأمر أو نائبه وقد لا ترفع، وبين كبيرها من قتل النفس ونحو ذلك فمردها إلى ولي الأمر للقضاء والفصل فيها، وليس لآحاد الناس، وإلا فهو عبث وافتئات على حقه مخالف لحكام الشريعة ومقاصدها في إقامة مجتمع مترابط به؛ وإلا لعمت الفوضى بالبلاد والعباد، وهلّا تأملت الحكمة من ضرورة إقامة وليِّ الأمر، وقد شرع الله ورسوله في ذلك أحكاما.

  • القواعد الشرعية لنجاة الأمة من الأفكار الخاوية غير المرضية

    القاعدة الأولى: أن الدين كامل، صالح مصلح للعالمين في كل زمان ومكان

    [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (المائدة: ٣)

    وفي حديث العِرْبَاض بن سَارِيَة-رضى الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِك”([1])

    القاعدة الثانية: أن الطريقة التي كان عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي الوحي، القرآن كلام الله عز وجل حقيقة من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل، وسنته، وهي: قوله وفعله، وإقراره -صلى الله عليه وسلم- وهو الهدى الحق

    [وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا] (النساء: ١١٣)

    [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] (النجم: ٣ – ٤)

     وفي حديث عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- : “مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ” وفي سياق: “مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ”([2])

    القاعدة الثالثة: أن الطريقة التي كان عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه –رضى الله عنهم- هي الطريقة الموصلة إلى العزة والنصرة والسعادة في الدنيا والآخرة، فمن خالفها وسلك غيرها فهو الخاسر الشقي.

    [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (آل عمران: ٣١)

    [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ] (الأحقاف: ١٣)

    [وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا] (النساء: ١١٥)

    وفي حديث سُفْيَان بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثم اسْتَقِم. ([3])

    وفي حديث الفرقة الناجية سئل -صلى الله عليه وسلم- عن علامتها من تلك الفرق الهالكة المنتسبة للإسلام،

    قال: هي الجماعة. وقال: “ما أنا عليه وأصحابي“([4])

    فالجماعة هي التي على ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه

    القاعدة الرابعة: أن المرجع في تمييز الحق من الباطل: القرآن كلام الله حقيقة من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القولية والفعلية والإقرارية بفهم الصحابة –رضى الله عنهم- ومن تبعهم بإحسان.

    [وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] (الشورى: ١٠)

    [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا] (النساء: ٦٥)

    [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا] (الأحزاب: ٣٦)

    وفي حديث أبي هريرة-رضى الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ- وفي لفظ: فدعوه، وآخر فانتهوا-، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. ([5])

    وفي الباب من المأثور عن السلف الصالح كثير

    –                    اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا؛ فَقَدْ كُفِيتُمْ. ([6])

    –                    عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ، وَإِيَّاكَ وَرَأْي الرِّجَالِ، وَإِنْ زَخْرَفُوهُ بِالْقَوْلِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يَنْجَلِي وَأَنْتَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ([7])

    القاعدة الخامسة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إمام الدعاة إلى الله عز وجل

    [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨)

    [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] (الحشر: ٧)

    وفي حديث عبد الله بن مسعود-رضى الله عنه-، قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خَطًّا فَقَالَ: “هذا سَبيلُ الله”. ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: “وَهذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كلِّ سبيلٍ مِنْها شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ”. ثُمَّ تَلا [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (الأنعام: ١٥٣) ([8])

    القاعدة السادسة: التحذير من سُبل الكافرين

    [وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ] (البقرة: ١٢٠)

    [قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ] (الأنعام: ٥٦)

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ[وباعًا بباع]، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا [سلكوا]جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ[سلكتموه]، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ ([9])

    القاعدة السابعة: التحذير من تحكيم العقل في النقل

    وهي خلاصة ما سبق ذكره

    قال عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-” أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ”([10])

    وعَنْ عَلِيٍّ -رضى الله عنه-، قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْه”([11])

               وكتبه

    صبري بن محمد عبد المجيد

     


    ([1])  أخرجه أحمد (17142)، وهو حديث حسن.

    ([2])  أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) اللفظ الأول للبخاري ومسلم، والثاني لمسلم.

    ([3])  مسلم (62).

    ([4]) صحيح بطرقه وشواهده. أخرجه الترمذي (2641)، وأبو داود (4597).

    ([5])  البخاري (7288)، ومسلم (1337).

    ([6])  صحيح عن ابن مسعود وغيره. انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (104)

    ([7])  صحيح عن الأوزاعي. جامع بيان العلم وفضله (1084).

    ([8])  صحيح بطرقه. أخرجه أحمد (4142)، والترمذي (2454)            

    ([9])  أخرجه البخاري (7320)، ومسلم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري، وابن ماجه (3994) وغيره وحديثهم حسن من حديث أبي هريرة.

    ([10])  صحيح البخاري (1597).

    ([11])  أخرجه أبو داود (162)، والدارقطني في سننه (1/ 378)، وصححه ابن حجر في تلخيص الحبير(1/ 418). والألباني في صحيح أبي داود الأم (153).

  • استقيموا على المنهج يرحمكم الله

    استقيموا على المنهج يرحمكم الله

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد:

    فإن الأصل في المسلم الاستسلام لله ورسوله، وثمرته حسن الأدب مع الشرع الحنيف والتواضع له، وصورته أن لا يقدم على قول الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- قول أحد، وأن لا يرفع صوته فوق صوت النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وعليه فلا يعارض بمعقول منقولًا، هذا أصلٌ مهمٌ فليعيه المسلمون عامة والدعاة خاصة.

    وهاك أصل من أصولنا أهل السنة والجماعة سماه مصنفه الإمام المحدث محمد بن الحسين الآجري ( ت 60 هـ): الشريعة

    ذكر فيه الطيب من المأكل والمشرب والملبس والمسكن أصل فأبدع واستدل فأمتع، وقال فأقنع، فهلموا إليه، فهو كملاذ الجائع، والعاطش، والعاري، والطليق. . . . . . .

    ذكر الإمام –رحمه الله- مدخلًا مختصرًا قبل الشروع في تبويباته، أرشد فيه إلى ضرورة التمسك بطاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وبما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وبما كان عليه الأئمة من علماء المسلمين الأخيار عصرًا بعد عصر، وجيلًا بعد جيل.

    ثم بدأ الباب الأول، فقال: بَابُ ذِكْرِ أَمْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أُمَّتَهُ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَتَحْذِيرِهِ إِيَّاهُمُ الْفُرْقَةَ

    ثم ذكر أحد عشر بابًا، ملخصها:

    عَلَى كَمْ تَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ، تحذير النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أمته سُنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، و ذَمُّ الْخَوَارِجِ وَسُوءُ مَذَاهِبِهِمْ، ووجوبُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْ وَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ جَارُوا، وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ مَا أَقَامُوا الصَّلَاة، والتحذير من الفتن، والخوض فيها، وليلزم بيته، وليعبد ربه، ثم قال: وَإِذَا دَارَتِ الْفِتَنُ بَيْنَهُمْ لَزِمَ بَيْتِهِ وَكَفَّ لِسَانَهُ وَيَدَهُ، وَلَمْ يَهْوَ مَا هُمْ فِيهِ، وَلَمْ يُعِنْ عَلَى فِتْنَةٍ، فَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفَهُ كَانَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ إِنْ شَاءَ اللَّه، والحث على التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسنة أصحابه -رضى الله عنهم-، والتحذير من طوائف تعارض سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكتاب

    ثم ذكر الباب الثالث عشر في ذم الجدال والخصومات في الدين

    وقد مشى رحمه الله على قاعدة جليلة في إظهار مصدر التلقي الصحيح لمن أراد العلم الصحيح، وذلك من حيث: الاستدلال بالقرآن، وصحيح السنة، والحسن منها، والضعيف في الشواهد والمتابعات، والموقوف والمقطوع.

    قال -رحمه الله – وهو المقصود:

    مَنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ وَعَقْلٌ، فَمَيَّزَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرِي لَهُ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ عَلِمَ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ، فَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَزِمَ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ -رضى الله عنهم- وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِنَفْسِهِ، لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ الْجَهْلُ، وَكَانَ مُرَادُهُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ، أَنْ يَتَعَلَّمَهُ لِلْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ وَالْخُصُومَاتِ، وَلَا لِلدُّنْيَا، وَمَنْ كَانَ هَذَا مُرَادُهُ سَلِمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ، وَاتَّبَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُسْتَوْحَشُ مِنْ ذِكْرِهِمْ، وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوفَّقَهُ لِذَلِكَ

    فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ قَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمًا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الدِّينِ، يُنَازِعُهُ فِيهَا وَيُخَاصِمُهُ، تَرَى لَهُ أَنْ يُنَاظِرَهُ، حَتَّى تَثْبُتَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَيَرُدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ؟

    قِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي حَذَّرَنَاهُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ

    فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَاذَا نَصْنَعُ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ كَانَ الَّذِي يَسْأَلُكُ مَسْأَلَتَهُ مَسْأَلَةَ مُسْتَرْشِدٍ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ لَا مُنَاظَرَةً، فَأَرْشِدْهُ بِأَلْطَفِ مَا يَكُونُ مِنَ الْبَيَانِ بِالْعِلْمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَوْلِ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ -رضى الله عنهم- وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ مُنَاظَرَتَكَ، وَمُجَادَلَتَكَ، فَهَذَا الَّذِي كَرِهَ لَكَ الْعُلَمَاءُ، فَلَا تُنَاظِرْهُ، وَاحْذَرْهُ عَلَى دِينِكَ، كَمَا قَالَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِنْ كُنْتَ لَهُمْ مُتَّبِعًا

    فَإِنْ قَالَ: فَنَدَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَنَسْكُتُ عَنْهُمْ؟ قِيلَ لَهُ: سُكُوتُكَ عَنْهُمْ وَهِجْرَتُكَ لِمَا تَكَلَّمُوا بِهِ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مُنَاظَرَتِكَ لَهُمْ كَذَا قَالَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ

    ثم ذكر ما يدل على ذلك من الآثار الصحيحة والحسنة

    ثم قال: أَلَمْ تَسْمَعْ رَحِمَكَ اللَّهُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي قِلَابَةَ: لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي الضَّلَالَةِ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ بَعْضَ مَا لُبِّسَ عَلَيْهِمْ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: أَلَا تُنَاظِرُنِي فِي الدِّينِ؟ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَبْصَرْتُ دِينِي، فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ أَضْلَلْتَ دِينَكَ فَالْتَمِسْهُ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ

    ثم قال: فَمَنِ اقْتَدَى بِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

    فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنِ اضْطَّرَّنِي فِي الْأَمْرِ وَقْتًا مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَى مُنَاظَرَتِهِمْ، وَإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ أَلَا أُنَاظِرُهُمْ؟ قِيلَ لَهُ: الِاضْطِرَارُ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ إِمَامٍ لَهُ مَذْهَبٌ سُوءٌ، فَيَمْتَحِنُ النَّاسَ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى مَذْهَبِهِ، كَفِعْلِ مَنْ مَضَى فِي وَقْتِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل. . . . . . . وذكر القصة

    فائدة: ذكر رحمه الله بعض علامات أهل الأهواء، منها:

    معارضة المنقول بالمعقول

    المنازعة والخصومة في المأثور

    قولهم: أرأيت أرأيت. . . . . . (1)

    نسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا هداة مهتدين، صالحين مصلحين.

         كتبه

    صبري بن عبد المجيد

    ([1]) الشريعة (1/ 270- 454).

  • فشل الفكر! نبتة لسلوك فاشل!

    فشل الفكر! نبتة لسلوك فاشل!
    هذا هو خلاصة ما نراه في بلادنا، وغيرها من بلاد المسلمين، فكر فاشل أصل لسلوك فاشل، تباً لهم ثم تباً لهم أن تنسب هذه القاذورات إلي الإسلام الحنيف.
    فكر فاشل ، روّجه ودعا إليه دعاة الهوى والزيغ، دعاة التبعية الفكرية لمستنقعات اليونانية سوّل لهم الشيطان وأملى لهم أنه فكر مستنير، فأوقعهم وأتباعهم التائهين المنساقين سوق البهيم براعٍ غير فَهيِم، فأصروا عليه ، واجتمعوا عليه، ودعوا إليه مع صريح مخالفته لملك الأرض والسموات الذي أخبر بالداء والدواء.
    ولاة أمور عادلين أو ظالمين جائرين، الذي مكـّـنهم هو الذي حذر من الخروج عليهم، والتظاهر وتقليب الناس عليهم، وحذر من الوقوف أمامهم نداً وتطاولاً، إذ هو رأس الفتنة.
    فليشربوا من كأس المخالفة للعليم الخبير، نفوس زُهقت ، ودماء هُدرت، ومعتقلات ملئت، وخراب دائر في البلاد والعباد، ومن تسبب في شيء نُسب إليه، والحادث هو جزء من جزاء ارتكاب المحظور، وليس آخر لسان طويل بسفه مبين، وعين متبجحة بنظرات اللئيم علي جهل مركب مشين، ولسوف يسألون.
    وفي الجانب الآخر أقول: للسياسيين القائمين لا مظاهرات ولا اعتصامات لا سلمية ولا عدائية في الإسلام الحنيف.
    إنما هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.
    والله الذي لا إله غيره، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً تبعاً لحثالة العقل الأمريكي الأوربي إلا وخسرتم خسرانا مبيناً عاجلاً أو آجلاً.
    فقلدتموهم في الفوضى باسم المظاهرات ، وقلدتموهم في الحرية المطلقة المذمومة باسم المدنية، وهذا أمرُّ من الحنظل، ولن تنتهي اللعبة.
    أقول للجميع لا مظاهرات في الإسلام الحنيف.
    ولكن في الإسلام الإفرنجي على قاعدة العقلانيين المنساقين لعقول آلهتهم، كل شيء فيه حلال حسبما مصلحته ، وزيغه!!
    أُنادي في الجميع في مصر وغيرها، بقول الملك الجبار العليم الخبير: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} (123-124) سورة طـه
    وبقول المصطفي المختار المبعوث رحمة للعالمين: {ما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه (فدعوه) (فانتهوا).
    وبقول الملك العزيز المهيمن: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا * وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
    وتأملوا قوله: {واتقوا الله} فهي جامعة للخوف من الله، والرجاء فيه سبحانه وتعالي.
    وقوله: {شديد العقاب} ترى فيها الترهيب حالة عدم تقوي الله في المذكور.
     والسؤال متي شدة العقاب؟ وأين؟ وكيف؟!!
    نسأل الله العفو والعافية، وأن يرحمنا من شؤم ذنوب غيرنا، إنه وليٌ قدير، فنعم المولي ونعم النصير.

  • وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وبعد:
    فإن الله تعالى قال: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
    فيها ثلاث مسائل:
    الأولى: شرف الدعوة إلى الله عز وجل، وضابطها العلم، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].
    والعلم قال الله عز وجل، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبينها الصحابة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ونصرة دينه فآمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، رضي الله عنهم، ميراثهم ميراث النبوة، ورَّثوه للتابعين، والتابعون لمن بعدهم إلى يومنا هذا.
    قال عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه- : إنَّ الرَّجُلَ لاَ يُولَدُ عَالِمًا، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ. (1)
    الثانية: العلم بالعمل.
    قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2].
    والداعية أخص، وحاله أخطر.
    قال أبو الدرداء -رضى الله عنه- : إنَّ أَخْوَف مَا أَخَافُ إذَا وَقَفْت عَلَى الْحِسَابِ أَنْ، يُقَالَ لِي: قَدْ عَلِمْت فَمَا عَمِلْت فِيمَا عَلِمْت (2)
    وقال -صلى الله عليه وسلم-: مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ مِثْلُ الْفَتِيلَةِ تُضِيءُ لِلنَّاسِ وَتَحْرِقُ نَفْسَهَا. (3)
    الثالثة: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. والأصل في المسلم، الاستسلام لله ورسوله مطلقا من غير لم ولا كيف، ولا يقدم على قول الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- قول أحد كان من كان.
    فالمسلم يحترم القرآن كلام الله حقيقة من غير تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، ويحترم السنة قول وفعل وإقرار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السيادة لهما مطلقا، ليس لغيرهما، الولاء والبراء لهما، ليس لغيرهما، الحب والبغض فيهما، ليس لغيرهما.
    نسأل الله الفقه في الدين، والعمل بما عملنا.

                                           
    ———-
    (1)  صحيح موقوفا. وكيع في الزهد (510) وعنه ابن أبي شيبة (26647)، وأحمد في الزهد ص 163 وغيرهم.
    (2)  حسن. الخطيب في جامع بيان العلم (647)، وابن أبي شيبة (35741)، وعبد الرزاق (20467) وغيرهم.
    (3)  صحيح. من حديث أبي برزة عند الخطيب في اقتضاء العلم العمل (71)، ومن حديث جندب بن عبد الله عند أحمد في الزهد (1124) بلفظ: مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ وَلَا يَعْمَلُ كَمِثَالِ السِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ وَيَحْرِقُ نَفْسَهُ، والطبراني في الكبير (1681) وغيرهم.

  • ارحموا أنفسكم ، وأعدوا للسؤال جواباً

    ارحموا أنفسكم ، وأعدوا للسؤال جواباً
    لقد غاص الشباب والشيبان والشابات والشيبات والشيوخ والدعاة –إلا من عُصم- في فكر الخوارج والمعتزلة
    فضربوا المنقول بالمعقول، سيطر عليهم الشيطان فسوَّل لهم وأملى لهم، فاجتالتهم إجتيالا، واحتالتهم احتيالا، فلم يقدسوا المنقول بطريق الرسول –صلى الله عليه وسلم-، ولم يحترموا المنقول فأوحلوه في مخالفة المعقول، ولسوف تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وجلودهم وأرضهم بما كانوا يخططون ويفعلون خلف سوء لسلف سوء تزاحمُ وتمردَُ، زوابع على الطريق في وجوه الشرفاء المتبعين الممتثلين الذين لا يخشون في الله لومه لائم، يظهرون الحق ويعلنون وفاقا وخلافاً، ولو على أنفسهم، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، هم حجة على المتلونيين بزِّي الدين تلون الحرباء، فمكروا بأنفسهم وبغيرهم ، فضلوا وأضلوا كثيرا وفي الوقت ذاته هم حجة على المنقادين انقياد المربوط بقلادة، ممسوحة عقولهم، مطموسة عيونهم، متشحمة قلوبهم، مسدودة أذانهم، ملتوية أنوفهم، عطنه رائحتهم، جهلاء، ضعفاء، تبع لكل ناعق، الفائز بهم الأكثر لحناً وشقشقةً ، كلهم زوابع في وجوة سنة من لا ينطق عن الهوى، سبٌ وشتمٌ وطعنٌ ولعن ، وغيبة ونميمة، لمن لم يوافقهم على جهلهم، وكذبهم وتزويرهم وانتحالهم، يقلـِّبون ويمكرون والمكر بهم واقع لا محالة عاجلاً أو أجلاً، دارت الأيام ، وانكشفت الاحوال، بسقوط الأكمة و اللجام، وقد قيل مش ها الوقت والكلام…
    والآن حان الأوان ثانية، ولابد من الكلام، فكان اللعن لمن خالف الأفهام، وهو هو الذي كان قد وافق الأفهام وصرصر بما لا يعرف في شرع رب الأنام هيبةٌ ضاعت، وشوكةٌ انكسرت، وعرض انتهك.
    زوابع في وجوة السنة، رويبضةٌ ظهرت أنيابها ولهثت ألسنتها، وسال لُعابها…
    والسبب ، قول من قال: مش ها الوقت الكلام فجاء وقت الكلام بأحلى الكلام فإذا جاء ما يخالف الأفهام خرجت الزوابع بأسوأ الكلام، مالهم من دونه مانع ودافع، تعالت صيحاتهم بأصوات النساء والمخنثين بالطبول والمزامير والاختلاط المشين في الطرقات والميادين ظناً أنهم ناصرون للدين…
    فكر الخوارج والمعتزلة القديم ظهر حديثا في الميادين باسم الدين، وما هو الدين، وقد اختلط بسنة الكافرين، أرأيتم يا سادة- دعاة حماة الدين؟
    اللهم اعصمنا من الشر وأهله ، ومن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أعز من أعز دينك بدينك
    واخذل من خذل دينك بزي دينك
    قلت وقولك الحق ” إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ …” (محمد 7)
    وقولك ” إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ …”(الرعد 11)
    وقولك “… فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)” سورة طه
    فمن أراد النجاة ، فليلزم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة الأخيار
    ومن أراد التمكين فليلزم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة الأخيار
    ومن أراد العزة والنصرة …. فكذلك…
    ليس وراء ذلك نجاة، ولا عزة، ولا نصرة، ولا تمكين. فمن أبي إلا عقله المجرد، وهواه ! المرذول، فقد أعلن التحدي لله الملك العزيز الجبار القائل” وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ” (آل عمران 28)
    والايام بيننا، والدائرة تدرو، والكل في السجلات يدون ويعلن يوم اللقاء المحتوم
    فبماذا تجيبون، وهل أعددتم للسؤال جوابا؟
    رحم الله الإمام ابن دقيق العيد –أئمة الدين السالفين في الرواية والدراية- حيث قال:
    ما قلت قولاً، ولا فعلت فعلاً إلا أعددت له جواباً بين يدي الله عزوجل
    هذا هو أثر الدين في أتباعه، وعلامة على سلامة امتثاله. والله حسبنا ونعم الوكيل
    كتبه
    صبري بن محمد عبد المجيد