Author: admin

  • Hello world!

    Welcome to WordPress. This is your first post. Edit or delete it, then start writing!

  • الرسائل المهمة إلى دعاة الأمة المحمدية

    الرسائل المهمة إلى دعاة الأمة المحمدية (3)

    الرسائل المهمة إلى دعاة الأمة المحمدية

     

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وبعد،

    فهذه من جملة الرسائل المهمة –لعموم الأمة- ولدعاتها خاصة، من أئمة الهُدى المتبعين سُبل سلفهم الصالح من الصحابة -رضي الله عنهم- ومن تبعهم بإحسان، ومنهم الإمام الحافظ عبيد الله بن محمد بن بطة -رحمه الله- (ت 387هـ) من كتابة الحافل بالمنهجية الأصيلة “الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة” المشهور بالإبانة الكبرى.

    قال -رحمه الله- في مقدمة كتابه المذكور. بعد حمد لله والثناء عليه، وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-: أَمَّا بَعْدُ: يَا إِخْوَانِي، عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ غَلَبَةِ الْأَهْوَاءِ وَمُشَاحَنَةِ (1) الْآرَاءِ، وَأَعَاذَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ نُصْرَةِ الْخَطَأِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَأَجَارَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ غِيَرِ الزَّمَانِ(2)، وَزَخَارِيفِ الشَّيْطَانِ(3)، فَقَدْ كَثُرَ الْمُغْتَرُّونَ بِتَمْوِيهَاتِهَا، وَتَبَاهَى الزَّائِغُونَ وَالْجَاهِلُونَ بِلُبْسَةِ حُلَّتِهَا، فَأَصْبَحْنَا وَقَدْ أَصَابَنَا مَا أَصَابَ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَحَلَّ الَّذِي حَذَّرَنَاهُ نَبِيُّنَا -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالِائْتِلَافِ، وَوَاقَعَ أَكْثَرُنَا الَّذِي عَنْهُ نُهِينَا، وَتَرَكَ الْجُمْهُورُ مِنَّا مَا بِهِ أُمِرْنَا، فَخَلَعَتْ لُبْسَةَ الْإِسْلَامِ، وَنَزَعَتْ حِلْيَةَ الْإِيمَانِ، وَانْكَشَفَ الْغِطَا، وَبَرَحَ الْخَفَا، فَعُبِدَتِ الْأَهْوَاءُ، وَاسْتُعْمِلَتِ الْآرَاءُ، وَقَامَتْ سُوقُ الْفِتْنَةِ، وَانْتَشَرَتْ أَعْلَامُهَا، وَظَهَرَتِ الرِّدَّةُ، وَانْكَشَفَ قِنَاعُهَا، وَقُدِحَتْ زِنَادُ الزَّنْدَقَةِ فَاضْطَرَمَتْ نِيرَانُهَا، وَخُلِفَ مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- فِي أُمَّتِهِ بِأَقْبَحِ الْخَلَفِ، وَعَظُمَتِ الْبَلِيَّةُ، وَاشْتَدَّتِ الرَّزِيَّةُ وَظَهَرَ الْمُبْتَدِعُونَ، وَتَنَطَّعَ الْمُتَنَطِّعُونِ، وَانْتَشَرَتِ الْبِدَعُ، وَمَاتَ الْوَرَعُ، وَهُتِكَتْ سُجُفُ الْمُشَايَنَةِ(4)، وَشُهِرَ سَيْفُ الْمَحَاشَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمْرُهُمْ هَيِّنًا، وَحَدُّهُمْ لَيِّنًا وَذَاكَ حَتَّى كَانَ أَمْرُ الْأُمَّةِ مُجْتَمِعًا، وَالْقُلُوبُ مُتَآلِفَةً، وَالْأَئِمَّةُ عَادِلَةً، وَالسُّلْطَانُ قَاهِرًا، وَالْحَقُّ ظَاهِرًا، فَانْقَلَبَتِ الْأَعْيَانُ، وَانْعَكَسَ الزَّمَانُ، وَانْفَرَدَ كُلُّ قَوْمٍ بِبِدْعَتِهِمْ، وَحُزِّبَ الْأَحْزَابُ، وَخُولِفَ الْكِتَابُ، وَاتُّخِذَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ رُءُوسًا أَرْبَابًا، وَتَحَوَّلَتِ الْبِدْعَةُ إِلَى أَهْلِ الِاتِّفَاقِ، وَتَهَوَّكَ(5) فِي الْعُسْرَةِ الْعَامَّةُ وَأَهْلُ الْأَسْوَاقِ، وَنَعَقَ(6) إِبْلِيسُ بِأَوْلِيَائِهِ نَعْقَةً فَاسْتَجَابُوا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَأَقْبَلُوا نَحْوَهُ مُسْرِعِينَ مِنْ كُلِّ قَاصِيَةٍ، فَأُلْبِسُوا شِيَعًا، وَمُيِّزُوا قِطَعًا، وَشَمَتَتْ بِهِمْ أَهْلُ الْأَدْيَانِ السَّالِفَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الْمُخَالِفَةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا عُقُوبَةٌ أَصَابَتِ الْقَوْمَ عِنْدَ تَرْكِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ، وَصَدْفِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَمَيْلِهِمْ إِلَى الْبَاطِلِ، وَإِيثَارِهِمْ أَهْوَاءَهُمْ، وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عُقُوبَاتٌ فِي خَلْقِهِ عِنْدَ تَرْكِ أَمْرِهِ، وَمُخَالَفَةِ رُسُلِهِ، فَأُشْعِلَتْ نِيرَانُ الْبِدَعِ فِي الدِّينِ، وَصَارُوا إِلَى سَبِيلِ الْمُخَالِفِينَ، فَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ، وَصِرْنَا فِي أَهْلِ الْعَصْرِ الَّذِينَ وَرَدَتْ فِيهِمُ الْأَخْبَارُ، وَرُوِيَتْ فِيهِمُ الْآثَارُ.

    وذكر بإسناده من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً(7) في افتراق الأمة على ثلاث وسبعين ملّة، كلها في النار إلا واحدة، وعلامتها ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

    وأتبعة بحديث شداد بن أوس مرفوعاً: لتركبن ما ركب أهل الكتاب… ” وأتبعة بشاهده الصحيح من حديث أبي هريرة، وأصله في الصحيحين بسياق” لتتبعن سنن من قبلكم… “.

    وقال -رحمه الله-: وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، لِيَعْلَمَ الْعُقَلَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَذَوُو الْآرَاءِ مِنَ الْمُمَيِّزِينَ أَنَّ أَخْبَارَ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ صَحَّتْ فِي أَهْلِ زَمَانِنَا، فَلْيَسْتَدِلُّوا بِصِحَّتِهَا عَلَى وَحْشَةِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ عَصْرِنَا، فَيَسْتَعْمِلُوا الْحَذَرَ مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ، وَيَلْزَمُونَ اللَّجَاءَ وَالِافْتِقَارَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ، وَالتَّمَسُّكِ بِدِينِهِ، وَالْمُجَانَبَةِ وَالْمُبَاعَدَةِ مِمَّنْ حَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَشَرَدَ شُرُودَ النَّادِّ الْمُغْتَلِمِ، وَأَنَا أَذْكُرُ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَمَا يُضَاهِيهَا، وَمَا هُوَ فِي مَعَانِيهَا، لِتَكُونَ زِيَادَةً فِي بَصِيرَةِ الْمُسْتَبْصِرِينَ، وَعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَتَنْبِيهًا لِلْغَافِلِينَ.

    هكذا ذكرتها شافية كافية من غير تعليق لوضوحها وضوح الشمس في رابعة النهار، لمن أراد أن يذَّكّر أو أراد شكوراً، وكأنه بيننا اليوم ونحن في طليعة سنة 1438هـ.

    رحمه الله رحمة واسعة، وجعلنا في ركابهم ركب العزة والقوة والسعادة.

     

    كتبه

    صبري محمد عبدالمجيد

    —

    (1) الشحناء: الحقد والعداوة والبغضاء (مختار الصحاح ص184، المعجم الوجيز ص 337) والمراد: صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة على طريق النبوة.

    (2) غِيَرُ الزَّمَانِ: أحداثه وأحواله المتغيرة (مختار ص 265، والمعجم ص 458).

    (3) زَخَارِيفِ الشَّيْطَانِ: الْمُزَخْرَفُ: الْمُزَيَّنُ، والزخرف من القول: حسنه بتزين الكذب. (مختار ص 153، والمعجم ص 278).

    (4) سُجُفُ الْمُشَايَنَةِ: السِجْفَ: السّتْر. و الشَّيْنِ: ضد الزَّيْنُ، الْعَيْبُ و الْقُبْحُ. (مختار ص 195، والمعجم 375).

    (5) تَهَوَّكَ: تَحَيَّرَ (مختار ص 377).

    (6) نَعَقَ: رفع صوته، صاح وناح (مختار ص 359، والمعجم ص 624).

    (7) حديث صحيح بطرقة وشواهده. وفيه بحث حديثي ذكرته في مطلع تحقيق كتابيّ” الإيمان” لأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي عبيد بن سلام –رحمهما الله- وهو تحت الطبع إن شاء الله.

  • الرسائل البغدادية إلى دعاة الأمة المحمدية – الحلقة الثانية

    الرسائل البغدادية إلى دعاة الأمة المحمدية (2)

    الرسائل البغدادية إلى دعاة الأمة المحمدية

    الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وبعد،

    فهذه هي الرسالة الثانية من الإمام الحافظ الخطيب البغدادي-رحمه الله- من كتابه الحافل” الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ”. قال[1/80]: يَجِبُ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ فِي طَلَبِهِ، وَيَكُونَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ(1).

    ثم ذكر بإسناده حديث  عمر بن الخطاب مرفوعًا: “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى”(2).

    ثم قال[1/83]: وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَجْعَلَهُ سَبِيلًا إِلَى نَيْلِ الْأَعْرَاضِ(3)، وَطَرِيقًا إِلَى أَخْذِ الْأَعْوَاضِ(4)، فَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ لِمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ بِعِلْمِهِ.

    ثم ذكر بإسناده حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي هريرة مرفوعًا” مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضَ الدُّنْيَا [ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا] لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “[لم يرح رائحة الجنة](5).

    وقال-رحمه الله-[1/85]: وَلْيَتَّقِ الْمُفَاخَرَةَ وَالْمُبَاهَاةَ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ نَيْلَ الرِّئَاسَةِ وَاتِّخَاذَ الْأَتْبَاعِ وَعَقْدَ الْمَجَالِسِ، فَإِنَّ الْآفَةَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَكْثَرُهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ(6).

    وقال[1/87]: وَلْيَجْعَلْ حِفْظَهُ لِلْحَدِيثِ حِفْظَ رِعَايَةٍ، لَا حِفْظَ رِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعُلُومِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهَا قَلِيلٌ، وَرُبَّ حَاضِرٍ كَالْغَائِبِ وَعَالِمٍ كَالْجَاهِلِ، وَحَامِلٍ لِلْحَدِيثِ لَيْسَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، إِذْ كَانَ فِي اطَّرَاحِهِ لِحُكْمِهِ بِمَنْزِلَةِ الذَّاهِبِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَعِلْمِهِ(7).

    وساق بإسناد ضعيف عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، قال[1/89]: “يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ، اعْمَلُوا بِهِ، فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ، وَوَافَقَ عَمَلُهُ عِلْمَهُ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، تُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، وَيُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ، يَجْلِسُونَ حِلَقًا، فَيُبَاهِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ حِينَ يَجْلِسُ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعُهُ، أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ تِلْكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”(8).

    وساق بإسناد حسن عن مطر بن طهمان الورَّاق(ت 125هـ) قال[1/90]: “خَيْرُ الْعِلْمِ مَا نَفَعَ، وَإِنَّما يَنْفَعُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ مَنْ عَلِمَهُ ثُمَّ عَمِلَ بِهِ، وَلَا يَنْفَعُ بِهِ مَنْ عَلِمَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ”. نسأل الله العفو والعافية، وأن يجعلنا من أهله العاملين به.

    وبمثل سابقه أخرج عن سفيان بن عيينة(ت198هـ) قال[1/90]: “إِنَّمَا مَنْزِلَةُ الَّذِي يَطْلُبُ الْعِلْمَ يَنْتَفِعُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ يَطْلُبُ كُلَّ شَيْءٍ يُرْضِي سَيِّدَهُ، يَطْلُبُ التَّحَبُّبَ إِلَيْهِ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَيْهِ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْدَهُ؛ لِئَلَّا يَجِدَ عِنْدَهُ شَيْئًا يَكْرَهُهُ”.

    وقال(9): قال سفيان[1/90]: “إِنْ أَنَا عَمِلْتُ بِمَا أَعْلَمُ فَأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمَا أَعْلَمُ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ أَجْهَلَ مِنِّي“.

    قلت: صبري: ذلك لقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]. ولقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [الصف: 2، 3]. ولقول أبي الدَّرْدَاءِ  -رضي الله عنه-: إنَّ أَخْوَف مَا أَخَافُ إذَا وَقَفْت عَلَى الْحِسَابِ أَنْ يُقَالَ لِي: قَدْ عَلِمْت فَمَا عَمِلْت فِيمَا عَلِمْت(10). فالعلم يقتضي العمل.

    واعلم أخي الداعية، أن علم ابن عيينة الإمام الحجة، هو قال الله، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو الذي سبق النقل عنه قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الميزان الأكبر، فعليه تُعرض الأشياء على خُلقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل(11).

    وهو-رحمه الله- على طريق سلفه الصالح المتمثل في قول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: “إنَّا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع”.

    واعلم أخي، ولوكنت وحدك، وأنت على ذلك، فأنت أمة، المهم الثبات على المبدأ الحق وليس حقًّا سوى ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

    اللهم فقهنا في ديننا، واغفر لنا وارحمنا

    كتبه

    صبري محمد عبد المجيد

    —

    (1) وطالب الحديث كطالب سائر العلوم التي يقوم بها العلم بالدين والفقه فيه، وإنما خص الحديث بالذكر لرئاسته.

    (2) حديث متفق عليه، ولفظ المصنف مختصر على شطره الأول.

    (3) جمع عَرَض، والمراد به حطام الدنيا.

    (4) جمع عِوَض: والمراد به ما يأخذه من الأموال عِوضًا عن تعليمه الناس، والمعنى المنهي عنه: ألا يكون قصده من طلب العلم الحصول على المنصب والمال والثناء عليه.

    (5) حديث حسن: مروي من حديث أبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وجابر، وحذيفة، وأنس، وكعب بن مالك. ولا تخلو من مقال.

    (6) الحديث داخل في عموم الخبر، وخصَّ بالذكر لرئاسته العلوم. قوله: “فإن الآفة. . . إلخ” هذا إن كان عالمًا، فكيف بمن ليس بعالم ولا طالب علم فوسَّد نفسه فيما ليس له أهل؟! ! ، وإذا كان هذا في زمن الخطيب البغدادي(ت463هـ) فكيف بزماننا1437هـ؟! !.

    (7) خرِّج هذا على الواقع الذي نعيشه وأنت متأمل متدبر! نسأل الله الستر والسلامة.

    (8) وذكره أبو عمر بن عبد البر في كتابه الجامع” جامع بيان العلم وفضله” معلقًا عن علي -رضي الله عنه- بلفظه. والمتن له ما يؤيده من القرآن وصحيح الأخبار والآثار منطوقًا ومفهومًا، بما يطول ذكره، وهو واقع نراه ونسمعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، نعوذ بالله من الخذلان.

    (9) القائل هو عبد الله بن وهب المصري الفقيه الحافظ الراوي عن سفيان بن عيينة.

    (10) مصنف ابن أبي شيبة (35741).

    (11) انظر مقدمة العدد(9)

  • الرسائل البغدادية إلى دعاة الأمة المحمدية

    الرسائل البغدادية إلى دعاة الأمة المحمدية

    الرسائل البغدادية إلى دعاة الأمة المحمدية

    الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين خاتم الأنبياء و لمرسلين محمد بن عبد الله، و بعد

    فهذه رسالة نفيسة ذكية إلى دعاة الأمة المحمدية، من الإمام الحافظ أحمد بن علي بن ثابت، يكنى أبا بكر، اشتهر بالخطيب البغدادي(ت463 هـ) رحمه الله

    من كتابه الممتع المؤدب للشيخ و الطالب سماه “الجامع الاخلاق الروي و آداب السامع ” وهو من جملة ما تمت قراءته مع بعض إخواني من طلبة العلم، أسال الله عز و جل أن ينفعنا به قولا و عملا:

     قال رحمه الله في مطلعه بعد الحمد لله، و الثناء علي رسول -صلى الله عليه وسلم-، أما بعد :

    أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِ «شَرَفُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ»(1) مَا يَحْدُو ذَا الْهِمَّةِ عَلَى تَتَبُّعِ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِهَا، وَالْحِرْصِ عَلَى سَمَاعِهَا، وَالِاهْتِمَامِ بِجَمْعِهَا وَالِانْتِسَابِ إِلَيْهَا. وَلِكُلِّ عِلْمٍ طَرِيقَةٌ يَنْبَغِي لِأَهْلِهِ أَنْ يَسْلُكُوهَا، وَآلَاتٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِهَا وَيَسْتَعْمِلُوهَا(2). وَقَدْ رَأَيْتُ خَلْقًا مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ(3) يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْحَدِيثِ، وَيَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ الْمُتَخَصِّصِينَ بِسَمَاعِهِ وَنَقْلِهِ، وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِمَّا يَدَّعُونَ، وَأَقَلُّهُمْ مَعْرِفَةً بِمَا إِلَيْهِ يَنْتَسِبُونَ، يَرَى الْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِذَا كَتَبَ عَدَدًا قَلِيلًا مِنَ الْأَجْزَاءِ، وَاشْتَغَلَ بِالسَّمَاعِ بُرْهَةً يَسِيرَةً مِنَ الدَّهْرِ، أَنَّهُ صَاحِبُ حَدِيثٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَمَّا يُجْهِدْ نَفْسَهُ وَيُتْعِبْهَا فِي طِلَابِهِ، وَلَا لَحِقَتْهُ مَشَقَّةُ الْحِفْظِ لِصُنُوفِهِ وَأَبْوَابِهِ (4)

    ثم ذكر بإسناده الحسن إلى مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، قَالَ: ” حَضَرْتُ الْمَأْمُونَ(5) بِالْمِصِّيصَةِ(6)، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ بِيَدِهِ مَحْبَرَةٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، صَاحِبُ حَدِيثٍ مُنْقَطِعٌ بِهِ. قَالَ: فَوَقَفَ الْمَأْمُونُ، فَقَالَ لَهُ: إِيشِ تَحْفَظُ فِي بَابِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَسَكَتَ الرَّجُلُ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: نا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ، عَنْ فُلَانٍ، وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَذَا حَتَّى عَدَّدَ لَهُ كَذَا حَدِيثًا، ثُمَّ قَالَ: إِيشِ تَحْفَظُ فِي بَابِ كَذَا؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَسَرَدَ فِيهِ كَذَا حَدِيثًا، ثُمَّ قَالَ: أَحَدُهُمْ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَقُولُ: أَنَا صَاحِبُ حَدِيثٍ، أَعْطُوهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ “(7)

    ثم ذكر بإسناده عن الإمامين أحمد بن حنبل وأبي بكر بن أبي شيبه رحمهما الله، بما يكشف به عوار المتشبعين بما ليس فيهم حتي اغتر بهم العوام الهوام فضربوا بهم الأئمة بحق وهم الأخيار،

    فهذا أحمد بن حنبل رحمه الله يرتضي أن يكون الرجل صاحب حديث بثلاثمائة ألف حديث حفظا، وهذا أبو بكر بن أبي شيبه يرتضيه بعشرين ألف كذلك، نسأل الله الستر وأن يكفينا شر أنفسنا

    قال الخطيب رحمه الله: وَهُمْ مَعَ قِلَّةِ كُتُبِهِمْ لَهُ، وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ كِبْرًا، وَأَشَدُّ الْخَلْقِ تِيهًا وَعُجْبًا، لَا يُرَاعُونَ لِشَيْخٍ حُرْمَةً، وَلَا يُوجِبُونَ لِطَالِبٍ ذِمَّةً، يَخْرِقُونَ بِالرَّاوِينَ، وَيُعَنِّفُونَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ، خِلَافَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ الَّذِي سَمِعُوهُ، وَضِدَّ الْوَاجِبِ مِمَّا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَقَدْ وَصَفَ أَمْثَالَهُمْ بَعْضُ السَّلَفِ

    وذكر بإسناده عن عمر بن الحارث، وحماد بن سلمة، استنكارا لهذا الصنف(8)

    ثم قال: وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ طَلِبَةُ الْحَدِيثِ أَكْمَلَ النَّاسِ أَدَبًا، وَأَشَدَّ الْخَلْقِ تَوَاضُعًا، وَأَعْظَمَهُمْ نَزَاهَةً وَتَدَيُّنًا، وَأَقَلَّهُمْ طَيْشًا وَغَضَبًا، لِدَوَامِ قَرْعِ أَسْمَاعِهِمْ بِالْأَخْبَارِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَحَاسِنِ أَخْلَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآدَابِهِ، وَسِيرَةِ السَّلَفِ الْأَخْيَارِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَطَرَائِقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَآثِرِ الْمَاضِينَ، فَيَأْخُذُوا بِأَجْمَلِهَا وَأَحْسَنِهَا، وَيَصْدِفُوا عَنْ أَرْذَلِهَا وَأَدْوَنِهَا

    ثم ذكر بإسناده الحسن عن أبي عاصم النبيل قال: مَنْ طَلَبَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَدْ طَلَبَ أَعْلَى أُمُورِ الدُّنْيَا، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ النَّاسِ.

    وبإسناده الصحيح عن ابن شهاب الزهري قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ أَدَبُ اللَّهِ الَّذِي أَدَّبَ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَدَبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ، أَمَانَةُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِهِ لِيُؤَدِّيَهُ عَلَى مَا أُدِّيَ إِلَيْهِ، فَمَنْ سَمِعَ عِلْمًا فَلْيَجْعَلْهُ أَمَامَهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»(9)

    وساق بإسناده عن سفيان بن عيينة أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمِيزَانُ الْأَكْبَرُ، فَعَلَيْهِ تُعْرَضُ الْأَشْيَاءُ، عَلَى خُلُقِهِ وَسِيرَتِهِ وَهَدْيِهِ(10)، فَمَا وَافَقَهَا فَهُوَ الْحَقُّ، وَمَا خَالَفَهَا فَهُوَ الْبَاطِلُ»(11)

    وساق بإسناده عن عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: «كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْهَدْيَ كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ» قَالَ: وَبَعَثَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا فَنَظَرَ كَيْفَ هَدْيُ الْقَاسِمِ وَحَالُهُ “(12)

    وبإسناده الحسن عن إِبْرَاهِيمِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: «يَا بُنَيَّ، إِيتِ الْفُقَهَاءَ وَالْعُلَمَاءَ، وَتَعَلَّمْ مِنْهُمْ، وَخُذْ مِنْ أَدَبِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَهَدْيِهِمْ، فَإِنَّ ذَاكَ أَحَبُّ إِلَيَّ لَكَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْحَدِيثِ»

    وبإسناده عن عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: قَالَ لِي مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: «نَحْنُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْحَدِيثِ»

    و بإسناده عن مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ، يَقُولُ: ” عِلْمٌ بِلَا أَدَبٍ كَنَارٍ بِلَا حَطَبٍ، وَأَدَبٌ بِلَا عِلْمٍ كَرُوحٍ بِلَا جِسْمٍ، وَإِنَّمَا شَبَّهْتُ الْعِلْمَ بِالنَّارِ لِمَا رُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا وَجَدْتُ لِلْعِلْمِ شَبَهًا إِلَّا النَّارَ، نَقْتَبِسُ مِنْهَا وَلَا نَنْتَقِصُ عَنْهَا “

     وأخيرًا أقول :لا علم بلا أدب، كما لا نار بلا حطب، أو الأدب سبيل العلم، كما أن الحطب سبيل النار والمراد كما ذكر ابن عيينه نقتبس منها ولا ننتقص عنها، ومعناه أننا إذا لم يتحل الطالب والداعية بحلية العلم وخصال من الأدب ومحاسن الأخلاق، فمن ؟

    نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل

    كتبه

    صبري عبد المجيد

    —

    (1) مطبوع، و تمت دراسته قديما .

    (2) المقصود : أن لكل علم أصوله فلا يجيده إلا بجودة أصوله و هذا هو الفرق بين الأصلي و المزيف .

    (3) اذا كان هذا في زمن الخطيب البغدادي رحمه الله وقد مات (463هـ )، فكيف بأهل زماننا ؟!نسأل الله الستر والعفو والعافية، ونعوذ بالله من شر المتكبرين المتعالين بغير أصل، وهو ما استطرد المصنف رحمه الله بنقده وكشف زيغه .

    (4) والذي يجري عليه الحديث يجري علي غيره مع رفعة علم الحديث لأنه أصل باب من ـأبواب الشرع، وهو مما اختص الله به أمة محمد صلي الله عليه وسلم كما نص علي ذلك أبو حاتم الرازي وغيره .

    في إشارة إلى التحذير من التساهل في إطلاق كلمة عالم وعلامه وغير ذلك مما يتلاعب به الشيطان علي صاحبه، فليحذر المتهورون من الشباب و المتشبعون بما ليس فيهم .

    (5) الخليفة العباسي المشهور (ت :218 ).

    (6) المصيصه : بكسر وفتح الميم، مدينة علي ساحل بحر الشام .

    (7) فيه أن طريق العلم طويل وشاق، لا تحده نهايه، يكثر صاحبه بطلبه والصبر فيه. وفيه لزوم الشيخ والتلقي عنه

    (8) فيه أن الطالب كلما ازداد علما، ازداد تواضعا ودراية وفهما والعكس حاصل

    (9) رحم الله الإمام ابن دقيق العيد، قال : ما قلت قولا ولا فعلت فعلا إلا أعددت له جوابا بين يدي الله عز وجل.

    (10) الهَدي : الطريق والسيرة والمراد مما يذكره المصنف عن السالفين الأخيار أنهم كانوا يتعلمون السلوك والتطبيق العملي من العلماء وسيرتهم، كما كانوا يتعلمون مسائل العلم .

    (11) الرسول صلي الله عليه وسلم هو الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال لذا تقول دائما : اعرف الحق تعرف أهله، والحق في قول الله ورسوله صلي الله عليه وسلم بفهم السالفين الأخيار من الصحابة ومن ومن تبعهم بإحسان .

    (12) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، سلسلة بيضاء نقية، أحد فقهاء المدينة المشهورين وهو من التابعين كابن سيرين والمقصود التعلم من الشيخ العلم والهدي ولذا فالشيخ له أثره في تلميذه إيجابيا وسلبيا وقد صح عن ابن سيرين قوله إن هذا العلم بين فانظروا عمن تأخذون دينكم .

  • رسالة من العز بن عبد السلام رحمه الله

    رسالة من العز بن عبد السلام رحمه الله

    الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على النبي المصطفى الخاتم، وبعد:

    فهذه رسالة مرضية من الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله (ت 660 هـ) إلى الدعاة و طلبة العلم، والشباب المتطلع إلى التدين و الاستقامة، والشيوخ المقلدين.

    من كتابه الحافل (القواعد الكبرى) ـ قواعد الأحكام:

    وهو من جملة الكتب التي تمت قراءتها مع بعض طلبة العلم النشطاء و الحمد لله على إحسانه و توفيقه.

    قال رحمه الله:

    فما أحسن أحكام الشرع إذا أجريت على قواعدها ([1]) و ما أخرج عن قواعده بغير مقتض لإخراج([2]) كان مخرجه حائدًا عن تصرف الإله و مقاصده.

    والسعيد من نظر بنور بصيرته إلى المصالح التي وضعها الله في أرضه لعباده قبل ورود شرعه، فإذا عرف تلك المصالح و ميّز بين متساوياتها و راجحها و مرجوحها، ثم عرضها على الشرع بعد وروده، فإن كان الشرع موافقًا لها كان معقول المعنى، و ما ورد على خلافها كان تعبدًا ([3]) ([4])

    فما أفسد أحوال طلاب العلم إلا اعتقادهم في مقلديهم أن ما يقولونه بمثابة ما قاله الشرع، حتى يتعجبوا من المذهب الذي يخالف مذهبهم، مع كون مذهبهم بعيدًا عن الحق والصواب، ومن هداه الله علم أنهم بشر يصيبون و يخطئون([5]) ([6])

    * وقال رحمه الله:

    وَمِنْ الْعَجَبِ الْعَجِيبِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ الْمُقَلِّدِينَ([7]) يَقِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَأْخَذِ إمَامِهِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ لِضَعْفِهِ مَدْفَعًا وَمَعَ هَذَا يُقَلِّدُهُ فِيهِ، وَيَتْرُكُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ لِمَذْهَبِهِ جُمُودًا عَلَى تَقْلِيدِ إمَامِهِ، بَلْ يَتَحَلَّلُ لِدَفْعِ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتَأَوَّلُهُمَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ الْبَاطِلَةِ نِضَالًا عَنْ مُقَلِّدِهِ، وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَجَالِسِ فَإِذَا ذُكِرَ لِأَحَدِهِمْ فِي خِلَافٍ مَا وَظَنَّ نَفْسَهُ عَلَيْهِ تَعَجَّبَ غَايَةَ التَّعَجُّبِ مِنْ اسْتِرْوَاحٍ إلَى دَلِيلٍ([8])، بَلْ لِمَا أَلِفَه مِنْ تَقْلِيدِ إمَامِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْلَى مِنْ تَعَجُّبِهِ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ، فَالْبَحْثُ مَعَ هَؤُلَاءِ ضَائِعٌ مُفْضٍ إلَى التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ يُجْدِيهَا([9])، وَمَا رَأَيْت أَحَدًا رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ إذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِهِ بَلْ يَصِيرُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وَبُعْدِهِ، فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْبَحْثِ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَنْ تَمْشِيَةِ مَذْهَبِ إمَامِهِ قَالَ لَعَلَّ إمَامِي وَقَفَ عَلَى دَلِيلٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَهْتَدِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ وَيَفْضُلُ لِخَصْمِهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ وَالْبُرْهَانِ اللَّائِحِ([10])، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَنْ أَعْمَى التَّقْلِيدُ بَصَرَهُ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى مِثْلِ مَا ذُكِرَ([11])، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ أَيْنَ مَا كَانَ وَعَلَى لِسَانِ مَنْ ظَهَرَ([12])، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ مُنَاظَرَةِ السَّلَفِ وَمُشَاوَرَتِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ وَمُسَارَعَتِهِمْ إلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ([13]) إذَا ظَهَرَ عَلَى لِسَانِ الْخَصْمِ، وَقَدْ نُقِلَ

    عَنْ الشَّافِعِيِّ – رَحِمَهُ اللَّهُ – أَنَّهُ قَالَ: مَا نَاظَرْت أَحَدًا إلَّا قُلْت اللَّهُمَّ أَجْرِ الْحَقَّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعِي اتَّبَعَنِي وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ اتَّبَعْته([14]).

    أسأل الله عز و جل التوفيق والسداد في القول و العمل، والحمد لله رب العالمين.

     

    كتبه

    صبري محمد عبد المجيد

     


    ([1]) أحكام الشرع ترتكز على القرآن و صحيح السنة و الإجماع و الصحابة خلف رسول الله، والقياس بأصوله و ضوابطه هذا ما عليه أئمة الهدى سلفًا و خلفًا

    ([2]) النص الصحيح ملزمًا، و الظاهر على ظاهره ما لم يأت صارف مثله أو أقوى منه، و ما أمر الشارع الحكيم بشيء إلا لمصلحة خالصة فيه أو راجحة، وما نهى عن شيء إلا لمفسدة خالصة فيه أو راجحة

    ([3]) خلاصة: التفريق بين إعمال العقل و تحكيم العقل: فالأول مشروع إذا جرى على قواعد الشرع التي أشار إليها العز رحمه الله في مطلع كلامه، و الثاني: محظور و هو أصل عند المعتزلة و غيرهم فاحذره.

    ([4]) القواعد الكبرى(1/276)ط دار القلم

    ([5]) لا يجوز لطالب العلم أن يكون مقلدًا، و على ذلك السالفون الأخيار، والأربعة الكرام، و المحررون في مذاهبهم من الأصفياء الكبار

    ([6]) المصدر نفسه (1/277)

    ([7]) و هذا لا يجوز، و قد رأينا الأئمة المحررين المنصفين في ذلك، كابن عبد البر في المالكية، و ابن قدامة في الحنابلة، و النووي في الشافعية، ومن المتأخرين المنصفين في ذلك في كل المذاهب ابن تيمية و تلميذه ابن القيم، وابن حجر العسقلاني رحم الله الجميع بل رأينا كثيرًا من الأئمة المتخصصين في مذاهبهم كمن سبق ذكرهم يردون قول إمام المذهب المخالف للنص، وغالب مورد هذا في السنة، بل يردون قول الصحابي و من دونه المخالف لسنة رسول الله، و يعتذرون للمخالف الذي على طريق الهدى، بعدم بلوغه النص، أو بلغه من طريق لم يثبت، أو قال بخلافه ثم رجع عنه، و بهذا يُرفع الملام عنهم.

    وأما عن التأويل بصرف النصوص عن منطوقها الصريح، و الظاهر بأدنى شبهة، أو برؤية نظرية، أو باللغة فقط، فهذا منبوذ غير مقبول، عند أهل التحقيق من السالفين الأخيار، فلا سبيل إلى الفهم السليم، و المطلب الشرعي الأصيل.

    ([8]) إذا كان هذا في عصر العز بن عبد السلام، فكيف بعصرنا الذي كثر فيه الرويبضة؟

    ([9]) فليحفظ هذا طالب العلم الراغب في القوة العلمية و فقه ما يطلبه، ولا يُشغل نفسه، ولا يُضيع وقته مع مثل هؤلاء.

    ([10]) رحم الله العز بن عبد السلام، ماذا لو جالس و رأى و سمع دكاترة و مشائخ عصرنا؟

    ([11]) هذا ذم صريح للتقليد

    ([12]) هذا مدح لاتباع الدليل، والتحرر من التقليد

    ([13]) الحق: قال الله تعالى و قال رسول الله، لا يُقدم على قول الله و رسوله قول أحد كائنًا ما كان

    ([14]) رحم الله الشافعي و الثلاثة و غيرهم، فهم على طريق مستقيم واحد سواء

    قاعدته: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

    لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه

    حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي

    إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله، وخبر رسول الله فاتركوا قولي (فاضربوا بقولي عرض الحائط)

    فهل يعقل هذا العصريون المغرضون المضيعون لهذا النقاء و الصفاء؟

    فليعدوا الجواب عند الوقوف بين يدي الله العزيز الجبار

  • أفأمنوا مكر الله؟

    أفأمنوا مكر الله؟

    الحمد لله المتفضل على خلقه بالرحمة والإحسان الناظر إليهم بغير إهمال، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى المختار، وبعد

    فإن القرآن كلام الله حقيقة بحرف وصوت من غير تشبيه ولا تعطيل حثنا وأرشدنا ربنا جل وعلا فيه فقال {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، ذلك لأن الله القدير يورث علماً وفهماً، والعلم والفهم يورثان عملاً قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [الصف: 2، 3]، وقد أقام رب العالمين حجته على خلقه مخوفاً ومحذراً من مخالفة أوامره والتجرؤ على زواجره فقال تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 96 – 99].

    أخبرنا ربنا جل وعلا قبل هذه الآيات عن قلة إيمان أهل القرى الذين أُرسل إليهم الرسل، وأن المكذبين للرسل المتمردين على قبول رسالاتهم يُبتلون بالضراء موعظة وإنذاراً، ويُبتلون بالسراء استدراجاً ومكراً فلما ذكر سبحانه وتعالى ذلك، قال { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا }.

    والقرية: اسم للتجمع العمراني من قريْتُ الماء إذا جمعته، وأهل القرى هم الذين أُرسلت فيهم الرسل، وبلغتهم رسالة ربهم، فلو أنهم آمنوا وصدقوا واستيقنت قلوبهم بذلك لكان ذلك خيراً لهم فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمُعَاذٍ: “اعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ”.([1])

    وفي حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وهو حديث طويل قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم،. . . . . . . فَقَالَ: “يَا أَبَا هُرَيْرَةَ” وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: “اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ”. ([2])

    وبرهان هذا التصديق وثمرته قوله “واتقوا ” أي بفعل الطاعات وترك المحرمات، وفي ذلك إثبات لقاعدة رئيسة في عقيدة المسلم وهي ” الإيمان ما وقر في القلب وصدقه القول والعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فلا إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان هما متلازمان سيان لا ينفكان ” فهذا هو الشرط يقابله المشروط في قوله تعالى ” لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض “.

    وفي هذا تقرير لقاعدة ” الشرط مقابل المشروط وجوداً وعدماً نفياً وإثباتاً”، وبركات رب العالمين من السماء والأرض، بأن يرسل عليهم السماء مدراراً، وينبت لهم من الأرض ما به يعيشون، وما يعلم جنود ربك إلا هو، والله على كل شيء قدير، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

    فلما كذب أهل القرى، وأعرضوا، ولما فسدوا وتمردوا أخذهم الله بما كانوا يكسبون، أخذهم بالعقوبات والبلايا وكثرة الآفات والعِلاَّت ونزع البركات، وذلك بما كانوا يكسبون من المعاصي والآثام والإعراض والتمرد على أوامر رب العباد، قال تعالى {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } [الزمر: 51]، وهذا الأخذ هو بعض جزاء أعمالهم، قال تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، وقال تعالى {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21]، وهذا من كمال رحمته سبحانه وتعالى لعلهم يرجعون لأنه لو آخذهم بجميع ما كسبوا لعجل لهم العذاب، قال تعالى {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا } [الكهف: 58]، ولمَا ترك على ظهرها من دابة قال تعالى {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45]، وقال تعالى {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61]، فقوله ” بما كسبوا ” يوضح قوله ” بظلمهم”، وقوله ” يؤخرهم إلى أجل مسمى” فيها أنه يمهل ولا يهمل جل في علاه، وبرهان ذلك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: “إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ”. ([3])

    ثم قال الملك الجبار، مخوفاً ومحذراً من مخالفة أوامره، والتجرؤ على زواجره ” أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ”، الاستفهام للإنكار، أفأمن أهل القرى الكافرة المكذبة أو العاصية الفاسقة المتمردة، أن يأتيهم عذابنا وعقابنا ونكالنا الشديد ليلاً وهم نائمون مطمئنون، ثم قال ” أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ” أي: لاهون منشغلون غافلون هكذا على غرة وغفلة وهذا أشد أنواع العذاب، ويحذركم الله نفسه، الذي بيده مقاليد الأمور، وأمره في كن فيكون قال تعالى ” أفأمنوا مكر الله ” حين يستدرجهم من حيث لا يعلمون قال تعالى {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 44، 45]، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ” ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]. ([4])

    “فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون” وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، ‘: الْمُؤْمِنُ يَعْمَلُ بِالطَّاعَاتِ وَهُوَ مُشْفِق وَجِل خَائِفٌ، وَالْفَاجِرُ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي وَهُوَ آمِنٌ. ([5])

    وعَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قال حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: “إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ” فَقَالَ بِهِ هَكَذَا، قَالَ أَبُو شِهَابٍ: بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ. .. . “. ([6])، وعند أحمد في مسنده فَقَالَ لَهُ: هَكَذَا فَطَارَ “. ([7])

    فالأول مستعظم لذنبه والآخر مستخف به، وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: “إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ المُوبِقَاتِ” قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ البخاري: “يَعْنِي بِذَلِكَ المُهْلِكَاتِ”. ([8])

    والمقصود أن المؤمن لا يزال خائفاً وجلاً من الملك الجبار الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، أن يبتليه ببلية تسلب ما معه الإيمان، فيختم له بخاتمة السوء فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا”. ([9])

    ولذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم ” يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك “. ([10])

    فالعبد مهما عمل وقدم فليس على يقين من السلامة ” فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ”، وقال تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 57]، وقال تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ } [السجدة: 22].

    نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرحمنا برحمته وأن يغفر لنا الزلات، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه على كل شيء قدير وهو نعم المولى ونعم النصير.

    كتبه

     صبري محمد عبد المجيد.


    ([1]) صحيح. أخرجه أبو يعلى في مسنده (6/ 10) رقم 3228.

    ([2]) صحيح مسلم (1/ 59) رقم 52(31).

    ([3]) صحيح مسلم (4/ 2098) رقم 99 (2742).

    ([4]) حسن أخرجه أحمد في مسنده (28/ 547) رقم 17311، وغيره وانظر الصحيحة (1/ 773) 413.

    ([5]) تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 451).

    ([6]) صحيح البخاري (8/ 67) رقم 6308.

    ([7]) مسند أحمد (6/ 131) رقم 3627.

    ([8]) صحيح البخاري (8/ 103) رقم 6492.

    ([9]) صحيح مسلم (1/ 110) رقم 186 (118).

    ([10]) صحيح وانظر السلسلة الصحيحة (5/ 126) رقم 2091. 

  • درة سنية

    دُرَّةٌ سنيّة

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وبعد،

    فهذه درة سنية بين يدي دعاة الأمة من كتاب ” الفقيه والمتفقه”. (1)

    ختم رحمه الله الجزء الثامن بباب في فضل العلم والعلماء، ثم قال في مطلع الجزء التاسع

    “ثُمَّ إِنِّي نَظَرْتُ فِي حَالِ مَنْ طَعَنَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَوَجَدْتُهُ أَحَدَ رَجُلَيْنِ: إِمَّا عَامِّيٌّ جَاهِلٌ، أَوْ خَاصِّيٌّ مُتَحَامِلٌ فَأَمَّا الْجَاهِلُ، فَمَعْذُورٌ فِي اغْتِيَابِهِ وَطَعْنِهِ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَرْبَابِهِ وساق بإسناد حسن عن محمد بن مسلم الزهري (ت: 124هـ) محدث فقيه أنه قال ((الْعِلْمُ عِنْدَ أَهْلِ الْجَهْلِ قَبِيحٌ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبِيحٌ)).

    وقَالَ أيضاً ((الْعِلْمُ ذِكْرٌ لَا يُحِبُّهُ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّا مَذْكُرُوهُمْ، وَلَا يَبْغَضُهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مُؤْنِثُوهُمْ)).(2)

    وساق بإسناد حسن عن الشافعي (ت: 204 هـ ) قال ((الْعِلْمُ جَهْلٌ عِنْدَ أَهْلِ الْجَهْلِ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ جَهْلٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ)). وَأَنْشَدَ فِيهِ:

    وَمَنْزِلَةُ السَّفِيهِ مِنَ الْفَقِيهِ             كَمَنْزِلَةِ الْفَقِيهِ مِنَ السَّفِيهِ

    فَهَذَا زَاهِدٌ فِي قُرْبِ هَذَا                وَهَذَا فِيهِ أَزْهَدُ مِنْهُ فِيهِ

    وساق بإسناد حسن أيضاً عن عبد الله بن المعتز (أحد الأمراء) قال ((الْعَالِمُ يَعْرِفُ الْجَاهِلُ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ جَاهِلًا، وَالْجَاهِلُ لَا يَعْرِفُ الْعَالِمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا)) وَقَدْ قِيلَ: الْمَرْءُ عَدُوُّ مَا جَهِلَ وَجَاءَ هَذَا الْكَلَامُ بِلَفْظٍ آخَرَ وَهُوَ: مَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ وَنَظَمَ هَذَا الْكَلَامَ فِي أَبْيَاتٍ تُعْزَى إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه-، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ(3)، وَهِيَ:

    النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ

    أَبُــــــــوهُمْ آدَمٌ، وَالْأُمُّ حَـــــــــوَّاءُ

    فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَا نَسَبٌ

    يُفَـــــــــــــــاخِرُونَ بِهِ، فَالطِّينُ وَالْمَاءُ

    مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ، إِنَّهُمْ

    عَلَى الْهُدَى لِمَـــــــــــنْ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ

    وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ

    وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْـــــــــــــلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ

    فَعِشْ بِعِلْمٍ، وَلَا تَبْغِي بِهِ بَدَلًا

    فَالنَّاسُ مَوْتَى، وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ

    وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39].

    ثم ذكر رحمه الله الصنف الثاني، واستطرد فيه نذكر منه أظهره وأجزله قال -رحمه الله-: “وَأَمَّا طَعْنُ الْمُتَخَصِّصِينَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، فَأَنَا أُبَيِّنُ السَّبَبَ فِيهِ لِيَعْرِفَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَدْرِيهِ أَمَّا أَهْلُ الرَّأْيِ فَجُلُّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ وَاهِيَةُ الْأَصْلِ، ضَعِيفَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالنَّقْلِ، فَإِذَا سُئِلُوا عَنْهَا بَيَّنُوا حَالَهَا، وَأَظْهَرُوا فَسَادَهَا، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِنْكَارُهُمْ إِيَّاهُمْ، وَمَا قَالُوهُ فِي مَعْنَاهَا، وَهُمْ قَدْ جَعَلُوهَا عُمْدَتَهُمْ، وَاتَّخَذُوهَا عِدَّتَهُمْ، وَكَانَ فِيهَا أَكْثَرُ النُّصْرَةِ لِمَذَاهِبِهِمْ، وَأَعْظَمُ الْعَوْنِ عَلَى مَقَاصِدِهِمْ وَمَآرِبِهِمْ، فَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٌ طَعْنُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَإِضَافَتُهُمْ أَسْبَابَ النَّقْصِ إِلَيْهِمْ، وَتَرْكُ قَبُولِ نَصِيحَتِهِمْ فِي تَعْلِيلِهِمْ، وَرَفْضِ مَا بَيَّنُوهُ مِنْ جَرْحِهِمْ، وَتَعْدِيلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ هَدَمُوا مَا شَيَّدُوهُ وَأَبْطَلُوا مَا أَمُّوهُ مِنْهُ وَقَصَدُوهُ، وَعَلَّلُوا مَا ظَنُّوا صِحَّتَهُ وَاعْتَقَدُوهُ”. (4)

    وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ(5): فَهُمْ مَعْذُورُونَ فِيمَا يُظْهِرُونَهْ مِنَ الْازْدِرَاءِ بِهِمْ، وَالْعَيْبِ لَهُمْ، لِمَا بَيَّنَهُمْ مِنَ التَّبَايُنِ الْبَاعِثِ عَلَى الْبَغْضَاءِ وَالتَّشَاحُنِ، وَاعِتَقَادِهِمْ فِي جُلِّ مَا يَنْقُلُونَهُ، وَعِظَمِ مَا يَرْوُونَهُ وَيَتَدَاوَلُونَهُ، إِبْطَالَهُ، وَإِكْفَارَ الَّذِينَ يُصَحِّحُونَهُ وَإِعْظَامِهِمْ عَلَيْهِمُ الْفِرْيَةَ وَتَسْمِيَتِهِمْ لَهُمُ الْحَشْوِيَّةَ(6)، وَاعْتِقَادُ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْمُتَكَلِّمِينَ غَيْرُ خَافٍ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ، فَهُمَا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ:

    اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّا لَا نُحِبُّكُمُ           وَلَا نَلُومُكُمْ إِذْ لَا تُحِبُّونَا

    فَقَدْ ذَكَرْتُ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِتَنَافِي هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ، وَتَبَاعُدِ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ وَرَسَمْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ لِصَاحِبِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً، وَلِغَيْرِهِ عَامَّةً مَا أَقُولُهُ نَصِيحَةً مِنِّي لَهُ، وَغَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ يَتَمَيَّزَ عَمَّنْ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالْجَهْلِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنًى يُلْحِقُهُ بِأَهْلِ الْفَضْلِ، وَيَنْظُرَ فِيمَا أَذْهَبَ فِيهِ مُعْظَمَ وَقْتِهِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرَ عُمُرِهِ مِنْ كُتُبِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَجَمْعِهِ، وَيَبْحَثُ عَنْ عِلْمِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَخَاصِّهِ وَعَامِّهِ، وَفَرْضِهِ وَنَدْبِهِ، وَإِبَاحَتِهِ وَحَظْرِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ عُلُومِهِ قَبْلَ فَوَاتِ إِدْرَاكِ ذَلِكَ فِيهِ وساق بإسناده إلى الشافعي قال ((تَفَقَّهْ قَبْلَ أَنْ تَرْأَسَ، فَإِذَا تَرَأَّسْتَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّفَقُّهِ)).

    وبإسناده الصحيح من طرق عن عبد الله بن عون عن محمد بن سرين عن الأحنف بن قيس قال: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه-: ((تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا )).

    وذكره بإسناده الحسن عن أبي عبيد القاسم بن سلام يعلق على قول عمر هذا يقول ((تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ مَا دُمْتُمْ صِغَارًا قَبْلَ أَنْ تَصِيرُوا سَادَةً رُؤَسَاءَ مَنْظُورًا إِلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ اسْتَحْيَيْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا بَعْدَ الْكِبَرِ فَبَقِيتُمْ جُهَّالًا لَا تَأْخُذُونَهُ مِنَ الْأَصَاغِرِ(7) فَيَزْرِي ذَلِكَ بِكُمْ))  وَهَذَا شَبِيهٌ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ: “لَنْ يَزَالَ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ فَقَدْ هَلَكُوا”. (8)

    وساق الخطيب بإسناد لا ينزل عن الحسن عن ابن قتيبة الدينوري قال: “سَأَلْتُ عَنْ قَوْلِهِ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ يُرِيدُ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ عُلَمَاؤُهُمُ الْمَشَايِخَ، وَلَمْ يَكُنْ عُلَمَاؤُهُمُ الْأَحْدَاثَ، لِأَنَّ الشَّيْخَ قَدْ زَالَتْ عَنْهُ مَيْعَةُ الشَّبَابِ وَحِدَّتُهُ وَعَجَلَتُهُ وَسَفَهُهُ وَاسْتَصْحَبَ التَّجْرِبَةَ وَالْخِبْرَةَ فَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي عِلْمِهِ الشُّبْهَةُ، وَلَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْهَوَى، وَلَا يَمِيلُ بِهِ الطَّمَعُ، وَلَا يَسْتَزِلَّهُ الشَّيْطَانُ اسْتِزْلَالَ الْحَدَثِ وَمَعَ السِّنِّ الْوَقَارُ، وَالْجَلَّالَةُ وَالْهَيْبَةُ، وَالْحَدَثُ قَدْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُمُورُ، الَّتِي أُمِنَتْ عَلَى الشَّيْخِ، فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَأَفْتَى، هَلَكَ وَأَهْلَكَ)).

    وأخرج بإسناده الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي إمام حافظ ابن إمام حافظ قال فِي كِتَابِي عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، وَذَكَرَ، مَنْ يَحْمِلُ الْعِلْمَ جِزَافًا فَقَالَ: “هَذَا مِثْلُ حَاطِبِ لَيْلٍ يَقْطَعُ حُزْمَةَ حَطَبٍ فَيَحْمِلُهَا، وَلَعَلَّ فِيهَا أَفْعَى تَلْدَغُهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي)) قَالَ الرَّبِيعُ: يَعْنِي: الَّذِينَ لَا يَسْأَلُونَ عَنِ الْحُجَّةِ مِنْ أَيْنَ”. (9)

    وروى بإسناده الحسن عن الأعمش – سليمان بن مهران – إمام حافظ مشهور قال لَمَّا سَمِعْتُ الْحَدِيثَ، قُلْتُ: ((لَوْ جَلَسْتُ إِلَى سَارِيَةٍ أُفْتِي النَّاسَ))، قَالَ: ((فَجَلَسْتُ إِلَى سَارِيَةٍ فَكَانَ أَوَّلُ مَا سَأَلُونِي عَنْهُ، لَمْ أَدْرِ مَا هُوَ)). فيه إشارة إلى ضرورة فقه الحديث والعلم بأصول الفقه فيه.

    قال -رحمه الله-“وَإِنَّمَا أَسْرَعَتْ أَلْسِنَةُ الْمُخَالِفِينَ إِلَى الطَّعْنِ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ لِحَمْلِهِمْ أُصُولَ الْفِقْهِ، وَأَدِلَّتِهِ فِي ضِمْنِ السُّنَنِ، مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَوَاضِعِهَا، فَإِذَا عُرِفَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ بِالتَّفَقُّهِ خَرِسَتْ عَنْهُ الْأَلْسُنُ، وَعَظُمَ مَحِلُّهُ فِي الصُّدُورِ وَالْأَعْيُنِ، وَخَسِئَ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ يَطْعُنُ”. (10)

    ثم روى بإسناده عن وكيع بن الجراح – محدث فقيه – يقول “لَقِيَنِي أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَالَ لِي: لَوْ تَرَكْتَ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ وَتَفَقَّهْتَ، أَلَيْسَ كَانَ خَيْرًا؟ قُلْتُ: أَفَلَيْسَ الْحَدِيثُ يَجْمَعُ الْفِقْهَ كُلَّهُ؟ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتِ الْحَمْلَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ؟ فَقُلْتُ لَهُ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- ((لَاعَنَ بِالْحَمْلِ، فَتَرَكَنِي، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا رَآنِي فِي طَرِيقٍ يَأْخُذُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ)). (11)

    وبالإسناد الصحيح عنه أيضاً قال ((يَا فَتَيَانُ تَفَهَّمُوا فِقْهَ الْحَدِيثِ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَفَهَّمْتُمْ فِقْهَ الْحَدِيثِ لَمْ يَقْهَرْكُمْ أَهْلُ الرَّأْيِ)).

    ومثله عنه قال ((لَوْ أَنَّكُمْ تَفَقَّهْتُمُ الْحَدِيثَ وَتَعَلَّمْتُمُوهُ مَا غَلَبَكُمْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي)) شَيْءٍ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَّا وَنَحْنُ نَرْوِي فِيهِ بَابًا.

    قال الخطيب -رحمه الله- “وَلَا بُدَّ لِلْمُتَفَقِّهِ مِنْ أُسْتَاذٍ يَدْرُسُ عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ فِي تَفْسِيرِ مَا أَشْكَلَ إِلَيْهِ، وَيَتَعَرَّفُ مِنْهُ طُرُقَ الِاجْتِهَادِ، وَمَا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ”.

    وروى بإسناد صحيح بطرقه عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرقيّ – ثقة فقيه – قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْأَعْمَشِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وأَبُو حَنِيفَةَ جَالِسٌ، فَقَالَ الْأَعْمَشٌ: يَا نُعْمَانُ قُلْ فِيهَا فَأَجَابَهُ، فَقَالَ الْأَعْمَشُ: ((مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟ )) فَقَالَ: مِنْ حَدِيثِكَ الَّذِي حَدَّثْتَنَاهُ، قَالَ: ((نَحْنُ صَيَادِلَةٌ وَأَنْتُمْ أَطِبَّاءُ))، وفي سياق ((يَا مَعْشَرَ الْفُقَهَاءِ أَنْتُمُ الْأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ)). (12)

    أكتفي بهذه الدرر، ومن أراد المزيد فليرجع إلى الأصل بالضوابط المذكورة في ثنايا المقال نفعني الله وإياكم بما علّمنا.

    وليحرص دعاة الأمة على العلم والفقه فيه، وليكن طالباً حقيقياً، وليحذر التقليد فإنه مذموم.

    وليكن دقيقاً في النقل وبلاغه من مصادره الأصلية، وليعلم أنه موقع عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهنا قف معظماً خائفاً راجياً.

    نسأل الله الستر والسلامة، والحمد لله رب العالمين.

    كتبه

    صبري محمد عبد المجيد

     

    ———

    (1) الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت: 462 هـ) رحمه الله ونفعنا بكتابه هذا، وغيره مما صنف، وهذا الكتاب خاطب فيه مصنفه فئتين هما رأس حياة المسلم الذي يرجع إليه عند الحاجة ” الفقيه والمتفقه” وفرق بين حامل علم وفقيه فيه.  وقد شرفت بدراسته مع إخواني من طلبة العلم، والحمد لله على فضله ورحمته، وأنصح به إخواني من طلبة العلم الكبار من أهل السنة الجامعين لعلميّ الحديث برجاله وعلله، وأصول الفقه، فسيقفون على الجديد حتمٌ لازم، وحال الشيخ طالب العلم الكبير بين البناء والعطاء ولابد، فليس له أن ينقطع عن البناء وهو في العطاء، ويؤصل هذا في طلابه، وإلا تراجع ووقف حاله عند آخر بناء، فلم يعد من الكبار، ولا على سلم الكبار. وفقني الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه إنه عليم قدير.

    (2) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/ 149).

    (3) وهذه لطيفة أدبية منه لطالب العلم، فكل من السياقين له دلالة في البناء والعطاء.

    (4) وقد نص ابن عبد البر -رحمه الله- في التمهيد والاستذكار في غير موضع، أن هذا مما عيب على أهل الرأي.

    ولهذا يرفع عنهم الملام لضعف القاعدة الحديثية عندهم وعليه فما بنوه على الرأي المخالف للنقل لا يعتبر، ولا يقبل الرأي أو القول إلا بموافقة نص صحيح أو بتعليل مقبول مخرج على أصل صحيح.

    (5) علم الكلام علم مبتدع عن فلا سفة اليونان الملاحدة الوثنيين، وهو تلك الآراء الباطلة والأفكار المرذولة الزائغة من تصورات العقل وتخيلاته تلقفها عنهم الجهمية وغالت حتى أخرجوها من حيز الإسلام، والمعتزلة والأشاعرة كذلك وغيرهم، فعارضوا المنقول بالمعقول.  وعلم الكلام علم مذموم عند أهل السنة والجماعة، وقد رجع جماعة من أكابرهم عنه والحمد لله.

    (6) اسم ابتدعه أهل الباطل والضلال من المعتزلة وغيرهم، ورموا به أهل الحديث أهل السنة والجماعة، لقولهم بالأخبار  وتعلقهم بالآثار، ونص ابن تيمية على أن أول من ابتدعه وتكلم به عمرو بن عبيد المعتزلي ورمي به عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- وانظر مجموع الفتاوى (3/185-186 ) وبيان تلبيس الجهمية (1/242 ) وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص 77 ).

    (7) صغير السن، صغير العلم، لا شيخ له، وانظر في ذلك باب المتفقه من كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب، والكفاية له، والجامع لابن عبد البر.

    (8) أخرجه المصنف بإسناده الصحيح عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قوله.

    (9) فمن تربى على التأصيل وتثبيت العرش، ربىّ عليه، وهنا الفرق بين طالب العلم الحقيقي وغيره، فهذا في مصاف العلماء إن شاء الله، وغيره عامي مقلد ينساق ويقاد في الصباح والمساء كل يوم هو في حال.

    (10) هذه درة من إمام حافظ يدل مصنفه المذكور وغيره على فقه كالبخاري وأبي داود والترمذي وغيرهم، وفيها أن الحديث أصل في الفقه وأصوله، فلا يعارض الخارج من العقل بالخارج من النقل الصحيح الصريح، أو الصحيح الظاهر، وفيها أن المحدث الفقيه جبل شامخ في العلم فلا يستهان به ولا يتجرأ عليه.

    (11) فيه أن المحدث الفقيه أقوى من الفقيه فقط، كما هو ظاهر من السياق.

    (12) وقد يكون الصيدلاني طبيباً كحال الثوري ووكيع والشافعي وأحمد وغيرهم.

  • الطمع (الجشع) والاحتكار … حرام

    الطمع (الجشع) والاحتكار … حرام

    بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وبعد.

    الطمع المراد هو الطمع في السوء والشَيْن، طمع تدل على رجاء قوي في القلب للشيء، وأكثره من الهوى، وتُضرب في الشَيْن غالباً. 

    وفي الاصطلاح: نُزوع النفس إلى الشيء شهوة له (تعلق القلب بالشيء شهوة له). 

    والطمع في حُطام الدنيا من مال عارض أو منصب زائل أو جاه، فإن ذلك كله مذموم.

    عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال، ذاتَ يومٍ في خطبتِه ” ألا إنَّ ربي أمرني أن أُعلِّمكم ما جهلتم مما علَّمني، يومي هذا . ……، وفيه: وأهلُ النارِ خمسةٌ ….. والشاهد المراد قوله: وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ…مسلم وغيره.

    وهذا واضح في ذم الطمع واحتقاره، والفعل المذموم، مذموم فاعله ومحتقر، والطمع يجر صاحبه إلى الخداع، والطمع والخداع سُلَّم الاحتكار المتعدي ضرره على البلاد والعباد.

    ثم نراه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ استعاذ من الطمع (الجشع) فقال كما في حديث زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عند مسلم وغيره…” اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ،…”.

    وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في صحيح قوله من حديث أَنَسٍ وعَائِشَةَ وغيرهما ” لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ” والمراد أنه يكون بالطمع (الجشع) عبداً للمال والجاه والسلطان، وقد قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عند البخاري وغيره ” تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ” وهذا دعاء عليه بالتعاسة والشقاء، وإذا دخلت فيه شوكة لا يجد من ينقشها له.

    والطماع الجشع: قليل الإيمان بالله ورسوله، ناقص الثقة بالله، سيء الظن بالله، ذليل لكل ما يطمع فيه، يُحقر نفسه ويزدريه الأخرون، دائم التعب والهم فلا ينقطع. فأي حياة لمن كان هذا حاله، نعوذ بالله من الخذلان.

    وأما الاحتكار: فهو الحبس والجمع للشيء مما فيه حاجة الناس. من مأكل ومشرب وملبس ودواء وغيره ذلك. تربصاً للغلاء، ليقل فيغلو فيبيعه، إذن فهو إمساك وحبس ما شتراه وجمعه لوقت يقصد أن يبيعه بأعلى مما اشتراه عند اشتداد الحاجة إليه، وضرر هذا ظاهر على البلاد والعباد.

    وهذا يخالف الإعانة على نوائب الدهر، وهذا من خلق المسلم وحقه تجاه وطنه وإخوانه.

    وهذا يخالف مبدأ الإيثار – لو كان به خصاصه، وهذا من خلق المسلم وحقه تجاه وطنه وإخوانه.

    وهذا يخالف الوعيد لمن بات شبعانا وجاره جائع، وهذا من خلق المسلم وحقه تجاه وطنه وإخوانه.

    فكيف بمن جمع ومنع عن عموم وطنه وإخوانه.

    والاحتكار أخص من الادخار، فالادخار أعم من الاحتقار، لأنه يكون فيما يضر وما لا يضر.

    فقد يجمع ويمسك ولا يمتنع عن البيع والتعامل بما يرضي الله ورسوله، على قاعدة ماذا لو كنت مكاني، فإن زاد ثمنه وهو عنده فله ذلك، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، وليس هناك ما يمنع من ذلك، وإن لم يدرك ذلك فلاحظ له فيه، وهذا من تمام الرضا،

    ويتفرع عن ذلك تحريم رفع سعر السلعة المسعرة كالدواء وغيره، لمجرد نقصانها وشدة الاحتياج إليها، فهذا من أكل أموال الناس بالباطل، وللضرر المتعدي على البلاد والعباد، وإشاعة الفوضى.

    قَالَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ” ” مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ” من حديث مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ العَدَوِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عند مسلم. قال أهل اللغة: والخاطئ هو العاصي الآثم. وفي الحديث الحسن لغيره: “مَنِ احْتَكَرَ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَالىَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ خَاطِئٌ، وَقَدْ بَرِئَت مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ”.

    “مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.

    وفي سياق “…. فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ، وَأَيُّمَا أَهْلِ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعًا، فَقَدْ بَرِئَت مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تعالى”. العَرْصة: الساحة. وعُظْم الشيء: أكثره.

    = وأجمعوا على أنه لو كان عند إنسان طعام أو نحوه مما يحتاج عامة الناس إليه، واضطروا إليه ولم يجدوا غيره، أُجبر على بيعه دفعاً للضرر عن الناس.

    وعلى ما سبق فالجشع والاحتكار، كبيرة، حرام، وضرره على البلاد والعباد ظاهر/ وفيه:

    –       دنائة النفس وسوء الخلق الذي به يستحق الوعيد.

    –       يورث الضغينة والبعد عن الناس.

    –       يُثري القطيعة الاجتماعية في الأمة.

    –       اضطراب الشعوب وعدم استقرارها.

    فالمحب لدينه، المحب لوطنه، المحب لإخوانه، يتقي الله عز وجل ويَصْدُق في إسلامه ويسلُك محاسنه، ولا يظلم كما لا يحب أن يظلم، ويحب لنفسه كما يحب لغيره، ويستقبح من نفسه ما يستقبحه من غيره، والله حسبنا ونعم الوكيل، يُمهل ولا يُهمل فناظر كيف يعملون، و لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

                                                    كتبه/

                                                          صبري محمد عبد المجيد

  • عذرًا فلا يزايد أحدنا على الآخر

    عذرًا فلا يزايد أحدنا على الآخر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- المصطفى الأمين وبعد:

    فهذه إطلالة دعوية؛ تحرك في العامة والخاصة نشوة يدندن بها البعض على حساب الآخر وهي: الولاء للوطن، والحفاظ عليه، والدفاع عنه في ظل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل: 125]، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: 272]، وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين) [النحل: 125]، وقال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء) [القصص: 56]، عندئذ لا يضرك من ضل إذا اهتديت.

    الحب: الوداد، واللهفة، والتعلق القلبي، وعليه فهو صفة ذاتية جبلية؛ فطر الله الخلق عليها، فالإنسان بطبعه هذا يحب نفسه وغيره.

    الوطن: ديار وسكانها، قائم عليه مسئولون يديرون شؤنه؛ من جلب مصالح، ودفع مفاسد، والله سألهم عما استرعاهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

    فإذا نشأ الإنسان في مَحِلَّة وتربى فيها بين أبوين وجيران وأقارب وأصدقاء؛ كان الحب والولاء والوفاق غالبا، هذا من حيث العموم المسلم وغيره سواء، ولكن المسلم له خصوصية في ذلك، حيث نشأ في بلد مسلم، ينعم فيه بإقامة شعائر دينه؛ من توحيد الله؛ والدعوة إليه؛ وإقامة الصلاة حيث ينادى بهن؛ وينعمون بتعمير مساجد الله بقراءة القرآن؛ وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومجالس الفقه في الدين، وكذا ينعم في بلده المسلم بالصيام؛ والزكاة؛ والحج؛ والعلاقات العامة بالاجتماعيات؛ والعطاءات؛ والتنافس في القربات لا سيما في أوقاتها المشهورة كشهر رمضان والعشر الأول من ذي الحجة وغير ذلك.

    وكذا ينعم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم دعوة عامة وخاصة، فيزداد الحب بينهم، والمؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، كما ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه.

    ومن المسَّلَّمات وجود الخير والشر، وأن كل بني آدم خطاء، ولا يضرك من ضل إذا

    اهتديت، ومع ذلك فالتعايش أمر لازم في ظل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بالحكمة والموعظة الحسنة كما ذكرت في مطلع الكلام.

    حب الوطن: أمانة. حب الوطن: محافظة عليه. حب الوطن: دفاع عنه.

    نرى ذلك في: قوله -صلى الله عليه وسلم- (الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ( ودِمَائِهِم)([1]).

    آمنٌ في نفسه، مُؤَمِّن لغيره في ماله ودمه وعرضه.

    وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لاَ يُرْجَى خَيْرُهُ وَلاَ يُؤْمَنُ شَرُّهُ) ([2])

    خيركم عند الله: فهو محبوب عند الله، وعند الناس.

    وشركم عند الله: فهو مبغوض عند الله، وعند الناس.

    بقرينة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند مسلم: (إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ).

    وبهذين الخبرين من صحيح كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ننادي في العالمين هذا هو محمد -صلى الله عليه وسلم-، النبي المصطفى الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، يدعو إلى الحب والتآلف، والتعايش بما يرضي الله ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، ويحذر من الشر، وإشاعة الفوضى في البلاد والعباد، ناهيك عن التخريب، والتدمير، وسفك الدماء وغير ذلك من المبغوض عند الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

    وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- وفعله عندما خرج من مكة ظلما وطغيانا. . . قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ [إِلَى الله ]، [وَإِليَّ] وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ([3])).

    فإن قيــــل: ذلك لأنها أحب البلاد إلى الله، فلا يدانيها بلد؟ أجيب: بنعم؛ ولكن، ألم يكن فيها من عادى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-؟ بل تآمروا على نبي الرحمة ليقتلوه، ورصدوا لذلك أموالا، فهل بعد هذا الشر من شر، تآمروا عليه فاضطروه إلى الخروج منها، نرى ذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم- في سياقٍ: (لَوْلاَ أَنَّ قَومَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ )مع وجود الباطل وأهله فيها، ومع ظهور الفجور والعصيان والشرك فيها، ماذا يعني هذا؟.

    يعني: الصبر على الدعوة إلى الله؛ برفق ولين على ما ذكرت في مطلع هذه الإطلالة، ولتحقيق الغاية التي من أجلها بعث -صلى الله عليه وسلم-.

    ثم نرى لطفه ورفقه ورحمته -صلى الله عليه وسلم-، عندما أوذي كما في حديث عائشة –رضي الله عنها- عند البخاري ومسلم وفيه: (فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا).

    فيه: أنه -صلى الله عليه وسلم- أبى أن يدعو على قومه الذين ظلموه، وأخرجوه من وطنه الذي نشأ فيه، وعادوه ودعوته، بل رغِبَ في صلاح ينشأ منهم، ولو أذن في هلاك الوطن لاستجيب له.

    ويبقى الولاء للوطن رغبة في انتشار دعوته -صلى الله عليه وسلم-، وتوحيد الله، والصبر في ذلك قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [فصلت: 33]، وفي الصحيحين قوله -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ).

    ومما يدل على المحافظة والدفاع عن الوطن؛ أنه لابد من تأسيس قاعدة للحماية العامة خارجيا وداخليا؛ وهي القوة الأمنية في البلاد، وهي على الكفاية وجوبا؛ إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وإذا امتنع عنها الجميع أثموا جميعا، وما ذاك إلا حفاظا على الوطن وما فيه.

    وفـي المقابل؛ وجوب النفير العـام وجوبا عينيا على كل أحـد قادر مستطيع عـلى حماية بلده

    إذا أغار عليها العدو؛ راغبا فيها كاسرا لِهُويَّتِهَا فاسدا مفسدا في أهلها، تارك ذلك آثم، وما ذاك إلا حفاظا على الوطن وما فيه.

    ومما يدل على ذلك أيضا: تحذير الشارع من الخروج على ولاة الأمور ومعاداتهم وإن كانوا ظالمين، لما يترتب على ذلك من خراب الديار وسكانها، وضعف قوتها، وهيبتها أمام أعدائها، ومن ثَمَّ يتكالبون عليها، وما ذاك إلا حفاظا على الوطن وما فيه.

    والمقصود تقوى الله في ديننا وبلدنا، ولنحذر المتكالبين على ديننا وبلدنا، فإنهم لا يريدون فينا خيرا، ولنعتبر بمن حولنا فهذه ليبيا، وهذه سوريا، وهذه العراق، وهذه اليمن. . . .

    الحذر من الجري وراء الإشاعات، فإنها تشعل نار الفتن كاشتعال النار في الهشيم.

    محافظة كل واحد منا في حد استطاعته؛ على وطنه إصلاحا وتقويما، بالقول والفعل الحسن ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

    قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا، وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) البخاري ومسلم من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.

    وأخيرا: ها هو -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى الحب والوفاق والتراحم فيما بيننا من التيسير والعون فقال -صلى الله عليه وسلم-: (من أن منكم أن أخاه فليفعل) مسلم من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-.

    أليست هذه دعوة إلى التآلف الاجتماعي، فلا للمكر والخداع والغش، والظلم والتخريب وسفك الدماء. . . . لا لكل محظور حذر منه الشارع الحكيم.

    إن كنا قد أخطأنا في ذلك فلكل داء دواء، فلنبدأ بالإصلاح، فمن رأى في نفسه عيبا، وشيئا مخالفا لشرع ربه، وللمباديء الحسنة فليرجع محتسبا راغبا الإصلاح في نفسه، وفي الغير، وفيمن يرعى ويعول ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والله الهادي والموفق لا رب سواه.

    أسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، والأمن والأمان للبلاد والعباد، وسائر بلاد المسلمين، وأن يرزقنا العلم والفقه في الدين، وأن يجعلنا خير خلف لخير سلف.

     

    كتبـــه

    صبري محمد عبد المجيد

     


    ([1])  صحيح لغيره

    ([2])  صحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

    ([3])  صحيح من حديث عبد الله بن عدي بن حمراء -رضي الله عنه-. وفي الباب عن ابن عباس -رضي الله عنه- وغيره.

  • العلم يقتضي العمل

    الحمد لله والصلاة على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وبعد،
    فإنَّ من النِّعم العظيمة التي يمتن الله بها على عبده المؤمن أن يرزقه العلم والفقه في الدين، ورأسه وذروة سنامه القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى الأمين -صلى الله عليه وسلم-، فالقرآن كلام الله تعالى حقيقة من غير تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، يحفظه ويعلمه، وله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء، وفي الصحيح عن ابْنِ مَسْعُودٍ -رضى الله عنه-، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ))(1).
    ومن تتمة النعم أن يرزقه الله تعليمه، فيكون بذلك قد جمع الخير كله لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث عُثْمَانَ-رضى الله عنه- ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))(2).
    فيه ثلاث مسائل:
    الأولى: فضل من تعلم القرآن. الثانية: فضل من تعلمه وعلمه.
    الثالثة: فضل من أعان على تعليمه مادياً ومعنوياً.
    وتكتمل النعم من الله تعالى على عبده الحافظ لكلام الله سبحانه وتعالى أن يرزق العمل بما حفظ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)). (3)
    يعني بالعمل به وعدم العمل به. { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31]
    وفي الصحيح عن النَّوَّاس بْن سَمْعَانَ -رضى الله عنه-، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، يَقُولُ: ((يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ (أي ضياء ونور)، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا))(4).
    والشاهد في قوله (( الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ في الدنيا ))
    وقد حذَّر ربُّ العالمين، ورهَّب من عدم العمل بما يعلم الإنسان من قرآن وسنة وفقهٍ فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]
    وَصحّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضى الله عنه-، أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَا أَخَافُ أَنْ يُقَالَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا عُوَيْمِرُ مَاذَا عَلِمْتَ؟ لَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يُقَالَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا عُوَيْمِرُ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟.(5)
    وصح في حديث جُنْدُب بن عبد الله -رضى الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((مَثَلُ الْعَالِمِ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ ويَنْسَى نَفْسَهُ كَمَثَلِ السِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ ويَحْرِقُ نَفْسَهُ))(6).
    س: هل نحن نعمل بما نحفظ ونعلم، ونعلِّم؟ هل نحن قدوة في القول و العمل؟
    ولنعلم جميعا أن الأصل في تحصيل العلم وتعليمه، الاحتساب على الله في ظل الصدق والإخلاص، وعدم المباهاة والرياء به، وإلا فسيكون حجة عليه، ويخفضه الله في الدنيا والآخرة، مالم يتب من ذلك، وهو المراد من قوله ((إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ))
    ولما كان العلم الشرعي هو الغذاء و الوقاية والنجاة، وسبيل الفلاح في الدنيا و الآخرة. ولما كان الجهل فقر و عُري و عار و خراب وسبيل الخسارة في الدنيا والآخرة
    رغَّب النبي -صلى الله عليه وسلم- ورهَّب، فقال -صلى الله عليه وسلم- (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ …، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)(7)
    وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يَعْنِي: رِيحَهَا. (8)
    والمراد: من أخره عمله السيء، وتفريط في العمل الصالح، لم ينفعه في الآخرة شرف النسب.
    ضرورة الإخلاص في العلم والرفعة فيه لله وحده، والحرص على الاتباع والامتثال لهدى المصطفى الأمين -صلى الله عليه وسلم-.
    العمل بما علم و تعلّم و عَلَّم، والسنة في ذلك سواء، إذ القرآن والسنة متلازمان لا ينفكان، فهما من حيث المصدرية سواء، فهي مبيّنة لمجمله، و مخصصة لعمومه، ومقيدة لمطلقه، قال تعالى: ( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) النساء(113)
    وفي الصحيح عن أَبي هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: “مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ”.
    وفي حديث الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، عن رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ” عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ “(9).
    وفيما سبق ذكره دلالة على المراد أيضا
    ومن مقتضيات ذلك، الثبات عليه والدعوة إليه ولو كان صاحبه وحده، فلا يداهن به، ولا يتلون باسمه، وليحذر قول عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ الله تعالى عَنْهُ وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عليه الناس”
    وفي الأثر الصحيح: عن مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: قَالَ رَبِيعَةُ الرَّأْي: يَا مَالِكُ مَنِ السَّفَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: ((مَنْ أَكَلَ بِدِينِهِ)) قَالَ: فَمَنْ سَفَلَةُ السَّفَلَةِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَصْلَحَ دُنْيَا غَيْرِهِ بِفَسَادِ دِينِهِ))
    فالثبات على المبدأ في الحالة هذه من ثمرة العلم الصحيح.
    نسأل الله الفقه في الدين، والعمل بما نعلم، إنه نعم المولى ونعم النصير

    كتبه
    صبري بن عبد المجيد
    =====
    (1) رواه الترمذي
    (2) رواه البخاري (815)
    (3) رواه مسلم (817)
    (4) رواه مسلم (805)
    (5) مصنف ابن أبي شيبة (35741)، جامع بيان العلم وفضله (1204)
    (6) رواه الطبراني (1681) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1015)
    (7) صحيح مسلم (2699). 
    (8) رواه أحمد (8457)، وأبو داود (3664)، وابن ماجه (252)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2049). 
    (9) رواه مسند أحمد (17144)، والترمذي (2676) وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.